“شجرٌ من مِحنة الوقت “مصفوفة شعرية لمتوالية إبداعية متواشجة الانثيالات

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى د. جبَّار ماجد البهادلي أن مجموعة “شَجرٌ منْ مِحنَةِ الوَقتِ” الشعرية لِنَصيرِ الشِّيخ هي مصفوفةً شعريةً لمتواليةٍ إبداعيةٍ متواشجة الانثيالات .
وقال البهادلي في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”: لم تكن (شجرٌ من محنةِ الوقتِ) إلَّا مصفوفةً شعريةً لمتواليةٍ إبداعيةٍ متواشجة الانثيالات متجدِّدة المثابات نثرياً وإن مِساحةَ فضائها الشعري تضمَّنت نحو (22) نصَّاً شعريَّاً مختلفاً بهندسة معمار تعدُّد رؤيته الفكريَّة الذاتية والموضوعية والإنسانية على المستوى الجمالي الفنِّي لتجارب الحياة الواقعية والمخيالية, وهي الأسلوبية الشعرية التي ميَّزت نصير الشَّيخ شعريَّاً. وإنَّ كلَّ نصٍّ فكري إبداعي من نصوص شجر نصير الشيخ يُشكِّل عتبةً عنوانيةً موازيةً إزاء النصِّ الإبداعي الأصلي, وكلَّ عتبةٍ بارزةٍ مُصاحبةٍ لبنية النصِّ المُرسل تمثِّلُ قيمتُها جمالياً محنةَ حضورٍ حقيقي لافت وتحمل هاجساً فكريَّاً قلقاً, ونسغاً روحياً نابضاً بالحيوات لشجرةٍ قارَّةٍ مُثمرةٍ أتتْ أُكُلَّها المكاني الناضج في بستانها الشعري من ظلال أفياء أحداث الزمن الحياتي العابر للمكانية في توارد تجلِّياتها وخصوبة موضوعاتها.
وأضاف : إنَّ ما يُميِّز السمات العنوانية لنصوص هذه المجموعة من حيث القيمة الفنيَّة والجماليَّة ثمانية نصوصٍ كانت بحقٍّ ثريَّا لنصوصٍ عنوانية فنيَّة مائزة الدهشة في التركيب الجمالي, فضلاً عن عتبات النصِّ الأربع الأخرى الماثلة واقعاً, (عتبة العنوان الرئيسة, وعتبة موحيات لوحة الغلاف الخارجي الأولى, وعتبة التصدير الاستهلالي, وعتبة الغلاف الثانية). تلك عتبات جيرار جينيت التضامنية التي تنأى بهذه المدونة الشعرية عن كل أشكال تنميط الفجاجة الاعتبارية والتقريرية والمباشرة المملولة. وأنَّ اللافت المثير من بين هذه العتبات الأربع موحيات (عتبة التصدير) الرمزية التي وظَّفها وعي الشاعر الشَّيخ الرهيف في مفتتح اشتغالات مجموعته الشعرية هذه,وأعني جيِّداً التصدير اللُّغوي الجمالي الذي أدَّى جميع حمولات وظائفه (الإخبارية والدلاليَّة والتأويلية والثقافية) الأربع على أكمل وجه تبليغي جمالي لفكِّ شفرات النصِّ الرسالي, وتحليل لغته الشعرية الخطابية بمنظار منهجي تأويلي هرمنيوطيقي جليٍ واضحٍ وجديد.
وتابع :وذلك إيماناً بموحيات التصدير وإشاراته السيميولوجية والدلالية من أنَّ الكلمات تتصيِّر أساطيرَ خالدةً مع سيرورة التاريخ الزمني, وقد تغدو في خلودها الأبدي أُساً شبيها بآسِ المُوتى ظنَّاً منه بما يطرحه فكر (دسنوس) الفلسفي في إشهار تساؤله الطلبي الذي ينتظر فيه جواباً شافياً للفكر العقلي في ندائه الخطابي المأثور, ((أيَّتُها الكلمات هل أنتِ أساطيرٌ؟ وَهَل تُشبهينَ آسَ المُوتى؟)).هكذا ينظر الشَّيخ بِعمقٍ غائرٍ بعيدٍ إلى أثر فعل كلماته الدلالية, وسحر تأثيرها الجمالي فيمنحها بُعداً أسطورياً روحياً خالداً مخضَّباً بعطر الآس ورائحته الزكية عبر امتدادها التاريخي الزمني.
وأوضح :أننا حين ننظر بتأملٍ فكريٍ ومنظارٍ نقدي منصفٍ عادلٍ في توصيف قصيدة النثر الشعرية الحديثة عبر مسار عَصرنة التطوِّر (الزمكاني) التراتبي لحقول الشعرية العربية القديمة والحديثة الثلاثة,(الشعر العمودي التشطيري التراثي, والتفعيلي الحُرُّ, وقصيدة النثر الحديثة, أو النصُّ الشعري المفتوح), نجدها من حيث القيمة الإبداعية لبنائها التركيبي والفنِّي أصعبَ هذه الأجناس الشعرية الثلاثة, وأكثرها حداثةً فكريَّةً, ومنظوراً فنيَّاً جمالياً, وتركيباً وإبداعاً وتخليقاً.
وأشار الى ان الشاعر المبدع الحقيقي الذي يكتب قلمه الإبداعي قصيدة النثر الحقَّة تأصيلاً وتأثيثاً وممارسةً فنيَّةً باشتراطات عناصرها التركيبية اللُّغوية الصوتية والإيقاعية الداخلية والدلاليَّة والفنيَّة والبلاغية الجمالية الانزياحية, ليس استسهالاً سياحياً معرفياً مفتوحاً منه لبنيتها التكوينية الوجودية في الفضاء الشعري الزماني, ولا إحساساً شعورياً متفرِّداً فيها بالراحة الكبرى عن مثيلاتها أو نظائرها الشعرية الأخرى, وإنَّما هو إحساسٌ نفسيٌ عميقٌ طافحٌ بحُريَّة التعبير الفكري, وبغمرة الإبداع الذاتي؛ نتيجةً لِسعةِ المِساحةِ التعبيرية الفنيَّة التي توفرها قدرة الدفقة الشعورية النفسية والجمالية لواقعة الحدث الموضوعية الراهنة في قصيدة النثر الحديثة الراعية السعة لهذا الفضاء المفتوح إبداعاً.
وولفت الى ان نصير الشَّيخ على الرغم من جذوره الشعرية المُمتدَّة, وبداياته الضاربة تاريخياً في أطناب جيل الثمانينيات, يُعدُّ إبداعياً واحداً من أبرز شعراء الجيل التسعيني الشباب الناشطين القلائل في العراق, ومن اللَّذين لم يُسلط الضوء عليهم كثيراً باستحقاقٍ في شعريَّة النثر, وتحديداً في قصيدة المجايلة التسعينية, ولم تَرَ ثمارُ تجربته الإبداعية الشعرية الناضجة المِساحةَ النقديَّةَ الكافية التي يستحقها إبداعياً بشكلٍّ لافت في زحمة هذا الكم العددي الهائل, لا النوعي الكيفي من شعرية (الإسهال اللَّفظي) الفارغ, وجعجعة رحى طنين الخاطرة الصوتي الأعجف الطحنِ لهذيانات قصيدة النثر التي يَغرقُ بها المشهد الشعري العربي عموماً, والعراقي خصوصاً على وجه التحديد دون مراعاةٍ فنيَّةٍ واعيةٍ لمنظور الشعرية الحديثة, أو دونَ فهمٍ حقيقي جدِّي لتجلِّيات الإبداعية الشعرية النثرية؛ نتيجةً لتمسُّك الكثير من شعرائها الشياب الجُدد بذرائع بُوهيمية طلسميِّة غامضة لا وحدة ربط لها, ولا تَمُتُّ إلى مسوغات روح الحداثة بصلةٍ إبداعيةٍ.
وختم :من بين مجايليه الكُثُر يقتفي الشاعر نصير الشَّيخ في تقنياته الشعرية ومنحوتاته النصيَّة آثار قصيدة النثر الحقَّة الرصينة المبتكرة الفاعلة الأثر في تثويرها الجمالي والفكري, وذات الذائقة الأدبيَّة والفنيَّة الموقَّعة التأثير في نفس المتلقِّي, وليس إتباع ضبابية الحُجب التشاعريَّة, أو امتطاء شعريَّة الهلامية المطاطية, عديمة الرؤيا الصورية المخيالية أو البصرية, والفاقدة فنيَّاً لعنصر التكثيف اللُّغوي البنائي, وعنصر الوحدة الموضوعية أهم عناصر قصيدة النثر الحديثة الذي يرتبط فنيَّاً وجمالياً بالوحدة العضوية الكبرى لشعرية الحداثة من خلال تحكُّم الشاعر الشيخ بتلابيب أطراف نسيجها الفنِّي الموضوعي بدءاً من لوحة التصدير الاستهلالي وانتهاءً بخاتمة حسن التخلُّص في مخرجاتها .



