كيف نظّمت “خطبة الخلاص” أكبر حركة تطوع في التأريخ الحديث؟

المراقب العراقي/ المحرر السياسي..
سقطت كلمات ممثل المرجعية الدينية بالنجف الأشرف، كالصاعقة على أسماع “صُنّاع الموت”، عندما كان يُلقي خطبة الرابع عشر من شعبان للعام 1435هـ/ 2014م، التي نقل فيها دعوة المرجع الديني الأعلى آية الله السيد علي السيستاني، بـ”الجهاد الكفائي” ضد عصابات داعش الإرهابية التي اجتاحت آنذاك أراضيَ عراقية عدّة.
وفي العاشر من حزيران 2014، أعلن السقوط المدوّي لمدينة الموصل بيد تنظيم “داعش” الإرهابي، بفعل “مؤامرات” محلية ودولية أرادت الإطاحة بالنظام السياسي برمته، لولا فتوى “الجهاد الكفائي” وبسالة رجال المقاومة الإسلامية التي حالت دون ذلك.
وبين العاشر والثالث عشر من حزيران، ثلاثة أيام فقط هي التي فصلت سقوط الموصل، عن التطور الذي أطلق صفارة البدء لانتظام عدد كبير من الشباب في إطار مسلّح، كانت له اليد الطولى في هزيمة التنظيم الإجرامي، ومنعه من السيطرة على بلاد الرافدين.
وشهد العراق في تلك الحقبة، معارك ضارية بين القوات الأمنية والحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية من جهة، والإرهابيين الذين ساهمت في صناعتهم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ودول خليجية في مقدمتها السعودية.
وخلفت المعارك حامية الوطيس التي جرت في جبهات عدة، قوافل كبيرة من الشهداء، حتى أعلنت القوات العراقية في التاسع من كانون الأول 2017 تحرير أرض العراق بالكامل من قبضة الإرهابيين، وذلك بعد تكبيدهم خسائر فادحة.
وتمر اليوم الذكرى الثامنة التي هب العراقيون في أكبر حركة تطوع شهدها التأريخ الحديث، لاسيما أبناء محافظات الوسط والجنوب نحو التطوع للجهاد، عقب فتوى السيد السيستاني في خطبة الجمعة بالصحن الحسيني الشريف، والتي جاءت عقب الاجتياح الداعشي وسيطرة الإرهابيين على الموصل بالكامل، فضلا عن الغالبية العظمى من صلاح الدين والانبار وديالى وارتكابهم الجرائم المروعة فيها، ومن ثم التوسع في عدد من مناطق حزام بغداد، مهددين بهتك المقدسات الدينية.
وكانت هبّة الحشود المليونية، للتطوع إلى جانب فصائل المقاومة الإسلامية، للانخراط في تشكيل أطلق عليه لاحقاً اسم “الحشد الشعبي”، تلبية لفتوى “الجهاد الكفائي”.
وتحوّل هذا التشكيل الآن، إلى هيأة رسمية تمتلك قانوناً رسمياً باعتبارها مؤسسة حكومية، تحظى بثقة معظم مكونات الشعب وممثليه في العملية السياسية، لاسيما أن الحشد الشعبي أثبت قدرة عسكرية غير مسبوقة، عندما أحبط أقوى هجمة إرهابية بربرية تمثّلت بتنظيم داعش.
وعن ذلك يقول المحلل السياسي صباح العكيلي لـ”المراقب العراقي”، إن “فتوى المرجعية الدينية بالجهاد الكفائي جاءت في وقت حاسم، وتسببت بتغيير مجريات المعركة لصالح العراقيين، حيث كانت تداعيات تلك الفتوى وبالًا على قوى الظلام، التي خططت ودعمت قوى الإرهاب لإسقاط العملية الديمقراطي في العراق، وتحويله إلى ساحة لمعركة حامية الوطيس”.
ويضيف العكيلي أن “الفتوى ردعت أعتى هجمة إرهابية شهدها العالم، بعدما كان داعش يسيطر على العديد من المدن العراقية، إلا أن بسالة رجال المقاومة والمتطوعين والقوات الأمنية حالت دون انهيار الوضع”.
ويرى العكيلي أن “محاولات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والقوى المتحالفة معهما، لم تُفلح في فصل الشعب عن مرجعيته الدينية، على الرغم من المساعي الحثيثة لدقِّ إسفين بين الطرفين، بعدما استشعرت تلك الدول خطورة وجود مؤسسة دينية بحجم المرجعية، على مخططات الفتنة التي كانت ترسمها طيلة الأعوام الماضية”.
وتأتي ذكرى فتوى الجهاد الكفائي هذا العام، في الوقت الذي يتطلع فيها العراقيون، إلى إخلاء أرضهم من أية قوات أجنبية “محتلة”، إلا أن الوقائع تشير إلى خلاف ذلك، حيث تحول العراق في عهد حكومة مصطفى الكاظمي، إلى “مرتع” للقوات متعددة الجنسيات، فضلًا عن التواجد الصهيوني في شمال العراق الذي فاحت رائحته مؤخرًا، حسبما يرى مراقبون.



