جادة خليل باشا أسباب فتحها وحكايات عن مشكلة أسواق الحيدرخانة

1
يقول علي الوردي في كتابه ” لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ” الجزء الرابع ، من عام 1918-1914 والمطبوع سنة 1974 وعلى الصفحات 306-302 ما يأتي :
” لم يكن في بغداد – في العهد العثماني – شارع مبلط واحد ، بل كانت فيها أسواق مسقوفة ودروب وأزقة يتصل بعضها ببعض ببناء متهالك . وكان أول شارع في بغداد ، هو شارع النهر الذي قام بفتحه ناظم باشا سنة 1910 . ذلك في الواقع لم يكن شارعاً لشدة ضيقه وعدم استقامته … بل هو إلى الزقاق أقرب منه للشارع “.
وتقول الروايات ، أنه لما حقق خليل باشا الانتصارات المتتالية ، ومنها انتصاره الشهير على القوات البريطانية في الكوت ، فقد آل على نفسه إلا أن يقرن ذلك الانتصار باسمه الذي سيؤرخ في شارع من شوارع بغداد . وأراد خليل باشا أن يكون الشارع ممتداً على طول بغداد من شمالها (باب المعظم) وإلى جنوبها (الباب الشرقي) وعلى طول موازاة نهر دجلة .
يكمل علي الوردي روايته بشأن فتح الشارع قائلاً : ” المظنون ، أن هناك ثلاثة عوامل دفعت خليل باشا إلى فتح الشارع على تلك الدرجة من الاهتمام وهي :
1. العامل العسكري :
لقد كانت متطلبات الحرب تقضي بفتح الشارع لتسهيل مرور المدافع والمعدات الحربية من بغداد إلى الجبهة ، وكان الطريق يدور حول المدينة ، الأمر الذي أدى بالجنود إلى معاناة شديدة من شدة الحر صيفاً ومشقة الأوحال شتاءً .
2. العامل المالي :
لقد اقتنع الحكام بالنظرية التي مفادها أن شق الشوارع في زمن السلم يكلف الدولة أموالاً طائلة من أجل تعويض الأهلين (أصحاب الدور المهدومة) عن أثمان عقاراتهم ، أما في زمن الحرب ، فالأمر لا يكلف الدولة من الأموال إلا أقلها ، فهي تستطيع أن تعوض أصحاب الدور بسندات تدفع بعد انتهاء الحرب … ولم يكن أصلاً في مقدور أي واحد الاعتراض على تلك الأوامر …!
3. العامل الشخصي :
لقد كانت (المودة) الشائعة بين حكام الولايات العثمانية في تلكم الحقبة ، التنافس والتباهي بفتح الشوارع . لقد كان كل واحد منهم يريد أن يفتح شارعاً في مدن ولايته بحجة إعمار البلاد … لكن كل واحد ، أراد من وراء ذلك – في دخيلة نفسه – إطلاق اسمه على الشارع المفتتح … ويخلد ذكره في التاريخ اللاحق .
يقول علي الوردي :
” لقد ابتدأ العمل بفتح (شارع خليل باشا – الشارع الجديد – شارع الرشيد) من شهر أيار (مايس) 1916 ، عندما قام رؤوف بك الجادرجي باستدعاء أصحاب الدور التي سيخترقها الشارع – على وفق التخطيط والتصميم – واتفق معهم على ان يدفع لهم مبلغاً مقدماً يعادل مقدار مبالغ إيجارات دورهم لمدة سنة واحدة … على أمل أن يعود فيفاوضهم في سبيل شرائها كاملة بعد انتهاء الحرب .
ثم ابتدأ رؤوف بك بتطبيق مخططه فقام بدفع المبالغ (بالنقود الورقية المطبوعة) … الأمر الذي أدى إلى انتشار التذمر الشديد بين ذوي العلاقة . يقول كامل الجادرجي (شقيق رؤوف الجادرجي) في مذكراته … الآتي :
وقد سبب قرار شقيقي رؤوف وتصرفه ذلك استياءً بالغاً لدى أصحاب العلاقة وغيرهم، وعدّوا رؤوفاً مسؤولاً عنه.
يكمل كامل الجادرجي قائلاً : وكان والدي أيضاً من ضمن المستائين من تصرفات رؤوف ، وإن كان قد استفاد من فتح الشارع استفادة مادية ، بعد أن أصبحت لدارنا (آل الجادرجي) جبهة طويلة ومهمة على الشارع العام .
ويعود علي الوردي إلى وصف حالة مشروع افتتاح الشارع والمشاكل التي تسببت عنه قائلاً : إن هناك أسباباً أخرى لانتشار التذمر بين الناس ، هو ان موظفي البلدية ، فضلاً عن مهندسيها ، يتأثرون بالمحسوبية وبالوساطة وبالرشوة ، حالهم حال جلّ موظفي السلطنة ، فصاروا يغيرون في تخطيط الشارع حسبما توحي به تلك الدوافع .
يقول عبد الكريم العلاف وهو من معاصري تلكم الحقبة في كتابه- بغداد القديمة- الصادر سنة 1960 وعلى الصفحة 241 ما يأتي :
” ولما شرعوا في فتحه ظلموا كثيرين من الناس وجاروا على الضعيف … والذين قدروا أن يرشوا من بيده الأمر وجد لهم ألف عذر لعدم هدم داره والتعرض لها
يعود علي الوردي إلى وصف هدم الدور ما يأتي : ” الواقع ان شق الشارع كان يجري بطريقة عجيبة . فقد يأتون بحبلين طويلين ويمدونهما فوق سطوح المنازل لتحديد مساحة الشارع بوساطة هذين الحبلين . ويقال ان مرور أحد الحبلين فوق أحد الدور معناه نزول الكارثة على أهل تلك الدار ، فتسمع العياط والعويل … فيسرع المتمكن من أصحاب الدور إلى استشارة أهل الحل والتفتيش عمن يساعده على إزاحة الحبل عن داره لقاء رشوة . وكثيراً ما كان الحبل يتحول من منزل إلى آخر حسب مبلغ الرشوة التي تدفع أو النفوذ المستخدم … لقد كانت مهزلة تدعو إلى البكاء والضحك معاً …!!
يستمر الوردي واصفاً بعض الإشكالات التي واجهت المسؤولين في قضية الاستملاكات وهي هنا تختلف نوعاً ما عن تلك الإشكالات التي ذكرها أمين المميز … يقول الوردي :
” لما وصل الشارع إلى محلة الحيدرخانة واجه المسؤولون مشكلة عويصة هي وجود سوق للأوقاف تعترض امتداد الشارع المقرر ، وان هدم السوق يؤدي إلى غضب رجال الدين في وقت كانت فيه الحكومة في أمسّ الحاجة إلى رضاهم . وفي هذا الخصوص يقول الرواة ان رؤوف بك الجادرجي تصرف في هذه النقطة تصرفاً رجولياً متحملاً المسؤولية وحده ، إذ استطاع أن يحشر عمالاً كثيرين ، وجاء بهم إلى العمل ليلاً ، فأخذوا يهدمون السوق خلسة ، ولما أشرقت شمس اليوم التالي وجد الناس أنفسهم أمام الأمر الواقع … ولم ينبس أحد من رجال الدين ببنت شفة …!! ” .




