محمد مهر الدين رسام عراقي غريب في هذا العالم

المراقب العراقي/ بغداد…
ولد محمد مهر الدين عظيم في البصرة، جنوب العراق عام 1938. عام 1956 انتقل إلى بغداد لدراسة الفن في معهد الفنون الجميلة. بعدها ذهب إلى بولندا في منحة دراسية ليعود منها حاملا شهادة الماجستير وليدرس الرسم في المعهد الذي تخرج منه.
مهر الدين يبدو مبكرا كمن يمزج الفن بالسياسة بطريقة لم يكن الفن العراقي قد تعرف عليها من قبل. ما صنع له مكانة مميزة بين أبناء جيله الذين كان معظمهم يميل إلى مقاربة السياسة بطريقة غير مباشرة، منحازين إلى جماليات الفن
من المؤكد أن ما تعلمه في وارسو كان أساسيا في تكوين شخصيته الفنية، وبالأخص على مستوى التفكير الأسلوبي والتقني غير أن حجر الأساس في علاقته بالفن كان قد شيد في بغداد. لم يكن مهر الدين مجتهدا في تعلم والتقاط تفاصيل الحرفة ما كان في إمكانه أن يجد نفسه منسجما مع اقتراحات وأفكار المحترف البولندي، الذي عُرف بتجريبيته العالية، وهي تجريبية تعود في أصولها إلى كازيمير مالافيتش، الفنان التجريدي البولندي الذي عاش جل حياته في روسيا.
لو بقي مهر الدين أسير تجربة تعلمه الفذة لكان نوعا من محمود صبري، الفنان العراقي الرائد الذي انفرد في الخمسينات بوعيه الواقعي ــ النقدي. غير أن حماسته المتمردة لفن يتحدث بلغة عصره التي شدته إلى تجريبية المحترف البولندي صنعت منه فنانا آخر. كانت لغة فنه تتنازعها قوتان. قوة فن الشارع، هناك حيث يؤدي الملصق السياسي واجبه باعتباره محرضا للأفكار العامة وقوة الفن حيث تمتزج الموهبة النافرة بالتمكن الخلاق لينتجا أسلوبا صادما في قوة بنائه.
كان مهر الدين واحدا من أهم صناع اللوحة التي لا تقبل الخطأ. ولكن تمكنه الحرفي كان يبطش به أحيانا حين كان يقوده إلى مناطق يغلب عليها اللعب الجمالي، وهو ما ظهر جليا في رسومه التي نفذها في تسعينات القرن الماضي ليبدأ بها سنوات غربته في عمان، يوم غادر العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003. كان مهر الدين يستعيد من خلال تلك الرسوم عالمه القديم مثل عجوز متقاعد. كانت تلك الرسوم خزانة ذكريات جمالية.



