ثقافية

“حكايات حميمة” زيف وتناقض الأحداث الاجتماعيّة التي أفرزتها سنوات الحرب

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد د. سمير الخليل أن مجموعة “حكايات حميمة” للقاص صلاح زنكنة تكشف زيف وتناقض الأحداث الاجتماعيّة التي أفرزتها سنوات الحرب، مبينا ان   من بين خصائص أسلوبه ميله إلى الاختزال وعدم الاطناب واختيار لقطة ذكية مكتظة بروح المفارقة.

وقال الخليل في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراق”:إن المجموعة القصصية الموسومة بـ(حكايات حميمة) للقاص (صلاح زنكنة) الصادرة عن الاتحاد العام لأدباء العراق – بغداد 2020 تمثّل خطوة متقدمة، على الرغم من اتساع تداولية الرواية لاسيما بعد مرحلة الإحتلال وشيوعها وانتشارها وإلاقبال عليها، فانّ القصة القصيرة بكلّ جمالياتها وخصائصها تبقى فنّاً راقياً ومتميزاً ويمكن تسميتها بالفنّ صعب المراس وفن السهل الممتنع وفن الاختزال وغيرها من التوصيفات لما يمتلكه هذ الفن من قدرة على التقاط المضامين والوقائع وبلغة سردية مختزلة وحدث مركزي وبصفحات قليلة وقدرتها على إنجاز الأفكار الكبيرة وتصوير لحظات ملتبسة ومعقدة مما يجعل هذا الجنس الادبي مقترناً بروح العصر أعني عصر الأختزال وإلايقاع السريع وبلاغة التعبير القائم على الدّقة والتركيز بعيداً عن الإستطراد والفائض اللّفظي .. فالقصة القصيرة هي عالم من السحر والخيال والتكثيف وتتصف بأسلوب (البرقية) السريعة التي تنبئ عن أحداث كبيرة.

وأضاف :أن هناك كثيرا من الكتّاب عُرفوا  بممارستهم لهذا الفن المتميز ولم تستهوهم المغامرة في كتابة الرواية . ومن بين هؤلاء المبدعين القاص (صلاح زنكنه)  الذي أخلص لهذا الفن ولم يُؤثر عليه فنّاً اخر فقد وجد نفسه في هذا الفن الذي يختزل الكثير ويعبر عن الكثير الى جانب أنّ النمط الذي يكتبه (صلاح) يتميز بمزيّة اخرى هي اقترابه من عالم المرأة والرجل حدّ الاهتمام وتكاد العلاقة بينهما وبكل تجليّاتها وتداعياتها ومفارقاتها تمثل الأسى أو الاشتغال المركزي في معظم قصصه، ومن بين خصائص أسلوبه ميله إلى الاختزال وعدم الاطناب واختيار لقطة ذكية مكتظة بروح المفارقة لتأشير جانب مهم في ثنائية (الرجل – المرأة) واسقاطات (الحكايات الحميمية) التي تربط بينهما، وهما في ظلّ واقع اجتماعي مأزوم بالصراع القيمي والطبقي وقبح الحرب وتراجيديا المفارقات وأحيانا المصادفات التي تلعب دورا فاعلا في تحديد مصائر الشخصيات وسياق الأحداث.

وتابع: وربما يفتقد الأدب العراقي الى مثل هذا النمط من القصص ذات الرومانسية الجميلة نظيرا لانشغال الكتاب بزوايا ووقائع اجتماعية وسايكولوجية وسياسية اخرى ممّا جعل هذا النوع من التوجّه يعاني القلّة والانحسار ومن يعرف القاص (صلاح زنكنة) ليس من المتعذّر عليه ان يكتشف ان حكاياته الحميمية هي جزء من روحه وتوجهاته في الحياة وتمرداته وايمانه العميق بالجمال والتوق والتمّاهي مع روح المغامرة وجمال المفارقات بصورة تكشف عن التطابق بين ذاته والعالم ومصالحة منتجة تستحق الانتباه والتأشير أنه يكتب بصدق من دون حذلقة وبلا تزويق وافتعال يكتب بواقعية تمتلك متعة وتحليقاً بالأفكار والوقائع وتصوير جماليات التماهي بين المرأة والرجل .. تلك المساحة المشعّة التي تبقى مصدراً للشعر والرواية والقصة القصيرة وتكسب قوة جذب كلّما مرّت العصور واختلفت شروط الحياة وتقلّباتها.

وأوضح: أنه يمكن أن تتلمّس الكثير من سيرة الكاتب وتجاربه ممزوجة ومؤطرة في حكايته حتى أنّه لم يتردد بإطلاق اسمه كبطل في عدد من النّصوص مثل قصّة (سوزان) ولا يمكن لأي كاتب أن يتخلص من ملامح وتفاصيل سيرته الذاتية وهي تتسلل إلى مدوناته بوعي أو بعفوية وغالباً ما تكون المادّة السيريّة هي أكثر صدقاً وجمالاً وجذباً لأنّها لاتنتمي إلى صناعة سرديّة محض.

وبين : أن المجموعة القصصّية تتضمن عشرين قصّة قصيرة تنتمي إلى القصّة القصيرة المختزلة تدور أحداث مجمل القصص حول مفارقات العلاقة التي تربط الرجل بالمرأة وغالبا ما تعاني هذه العلاقات من التناقض والصدفويّة في الحدث ووقوعها تحت ضغوط وإفرازات الصراع الإجتماعي أو الحرب أو تصوير الحالات (السايكولوجيّة) وتجليات (العشق) وسلوك المحبين الغامض أحيانا بين الرفض والقبول والتناقض (السايكولوجي) في مجتمع يعاني الكثير من الأزمات يضع ذلك المجتمع تحت مجهر فنّي خاص للتعمّق بإستشراف عقده ومسببات التأزم الداخلي فيه وإشكالية إنماء الرجل أو المرأة إلى حاضته الإجتماعيّة وتقاطعه من الآخر الذي يختلف عنه ما يؤدّي إلى الصراع وصياغة النهايات الدراميّة في أغلب القصص.

وواصل :في قصة (زوجة الآمر) التي تتناص في عنوانها مع قصة (ابنة الآمر) لبوشكين نجد قصة جميلة وعميقة في أحداثها ودلالتها وهي تنقل أو تجسّد جانباً من جوانب الأحداث الواقعيّة الإجتماعيّة التي أفرزتها سنوات الحرب من زيف وتناقض، الآمر الرائد حمدان يكلّف أحد الجنود بصبغ داره، وهناك يتعرف الجندي على الزوجة الجميلة الشابة ويحدث أن يموت الآمر في إحدى المعارك لتتكشف جوانب الحكاية والنهاية المباغتة فالزوجة لم تكن زوجة شرعيّة بل بزواج عابر والبيت ليس باسمها ولا يجد الجندي طريقاً لها بعد ذلك.

وأشار الى إن أغلب القصص تنتهي بقطع العلاقة بسبب عطب ما أو الغياب القسري وهي إدانة لواقع مأزوم لا يمنح المرأة أو الرجل حاضنة وفضاء من الطمأنينة والاستقرار  والتواصل العاطفي وهذا يعبّر عن فكرة أن البيئة الاجتماعية بيئة طاردة للحب فهي ممسوخة بالزيف وتعاني الارتجاج القيمي مما يجعل مجمل الحكايات الحميمية هي حكايات تبدو اغترابية ومقحمة وغير متناغمة مع سياق واقع متكلس وليس بيئة رومانسية وهذا هو التعليل المناسب لوجود النهايات الحزينة والدراماتيكية في معظم قصص المجموعة.

وختم :ان مجموعة (حكايات حميمية) إضافة فنية للسرد العراقي بوصفها مجموعة تمتلك خصوصيتها واهتمامها بجانب أهمل كثيراً في التجربة القصصية على الرغم من أن مضامين القصص وتنويعاتها ومفارقاتها تنتمي إلى لب الواقع بل أن الواقع العراقي يشهد ما هو أبعد مما تطرّق إليه الكاتب من قصص وأحداث ومفارقات بحاجة إلى تسليط الضوء عليها واستلهامها قصصيّاً للكشف عن التأزم الباطني والظواهر السلبية التي تجعل من المجتمع بيئة طاردة لطقوس العشق والتواصل العاطفي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى