ما حقيقة النوايا الأمريكية في أوكرانيا؟

المراقب العراقي/ متابعة..
تعتبر الأزمة في أوكرانيا من أهم الأزمات المثارة في الساحة الدولية، نظراً إلى أهمية أوكرانيا الكبيرة لـ3 قوى كبرى، هي روسيا الاتحادية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. بالنسبة إلى روسيا، تعتبر أوكرانيا امتداداً تاريخياً وحضارياً وجغرافياً واستراتيجياً لها. وبالنسبة إلى أمريكا، تعد وسيلة لتقييد روسيا الاتحادية والحد من نفوذها العالمي. أما بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فلا بد من أن يكون جزءًا منها مستقرًا وهادئًا بسبب الجوار الجغرافي.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حظيت أوكرانيا بأهمية كبيرة لدى الولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية بريطانيا، والدلالة على ذلك هي مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل: “إذا أرادت الدول الغربية أن تقضي على الاتحاد السوفياتي، فعليها أن تفصل أوكرانيا عن روسيا”.
وقد تزيدات أهمية أوكرانيا أميركياً أكثر فأكثر بعد نهاية الحرب الباردة، باعتبارها الخاصرة الرخوة لروسيا وقلب الدفاع عنها، وهي من دول المحاور الاستراتيجية عند تقسيم أوراسيا، كما يصفها مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، لأنها تعتبر أم المدن الروسية، ومركزاً للحضارة الأرثوذكسية الشرقية، وهي أكثر دول الاتحاد السوفياتي السابق ارتباطاً بروسيا الاتحادية من النواحي الحضارية والتاريخية والثقافية والعرقية والدينية العميقة، فضلاً عن كونها تشكّل الامتداد الحيوي لروسيا باتجاه أوروبا الشرقية.
وبالتالي، إن خسارة أوكرانيا هي انتكاسة جيوبوليتيكية خطرة للدولة الروسية الحديثة، وهو ما أكَّده المفكر الروسي الشهير ألكسندر دوغين، زعيم حركة الأوراسيين الجدد، الذي اعتبر التحاق أوكرانيا بركب الناتو بمثابة حرب جيوبوليتيكية على روسيا، فهي، في نظره، المشكلة الأكثر جدية وأهمية بالنسبة إلى موسكو، وبالتالي، إنَّ أوكرانيا المعادية لروسيا تؤدي دور العميل والخادم الجيوبوليتيكي للاستراتيجية الأطلسية، فهي، في رأيه، بوعي منها أو من دون وعي، تؤدي دور النطاق الصحي للأطلسي لقوى البحر من أجل تطويق روسيا جيبوليتيكياً ومنعها من تحقيق مشروعها الأوراسي.
كما أنَّ لروسيا 3 بوابات رئيسية تنفتح عبرها على العالم، هي وسط آسيا والقوقاز وأوكرانيا، وتشكل الأخيرة أخطرها على الإطلاق، فعبر السهل الأوكراني مرت الجيوش الأوروبية الغازية لأراضي روسيا في حربين عالميتين.
وبناء عليه، إنَّ تركيز أميركا انصب على حرمان روسيا من واحدة من أهم الركائز الجيوسياسية، وخصوصاً بعد أن خطت، بقيادة الرئيس بوتين، خطوات نوعية كبيرة في سياق مواجهة الهيمنة الأميركية، فأدخلت واشنطن كييف في دائرة الثورات الملونة، ودعمت التيّار اليمينيّ المتطرف الذي يدعو إلى دمج أوكرانيا في البنى الغربية من خلال حلف شمال الأطلسي؛ هذا التيار الذي كان رأس حربتها في الانقلاب على نتائج الانتخابات التي أدت إلى وصول فيكتور يانوكوفيتش المقرّب من روسيا، والتي تسارعت بعدها وقائع الأزمة الأوكرانية وصولاً إلى وقتنا الحالي.
وأعادت الولايات المتحدة، ومعها بريطانيا، توتير الأزمة في أوكرانيا وتصعيدها في الوقت الراهن، عندما أعلنت كلٌّ منهما أنَّ موسكو تحشد قواتها على حدود أوكرانيا تمهيداً لغزوها.
وواجه بايدن وإدارته في عامه الأول داخل البيت الأبيض سلسلةً من الإخفاقات الكبيرة. ومن المتوقع أن يفقد الحزب الديمقراطي الأغلبية في الانتخابات النصفية للكونغرس التي ستجري في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2022. زد على ذلك الانقسام الحاد في المجتمع الأميركي الذي تعزّزه معارضة شرسة من الحزب الجمهوري، وأخرى متنامية داخل الحزب الديمقراطي نفسه.
لذا، تعتقد إدارة بايدن المتعثّرة أنَّ استحضار العدو الخارجي – وليس أيّ عدو – المتمثل بروسيا الاتحادية؛ العدو التقليدي للولايات المتحدة، وما يرتبط به في الذاكرة الأميركية، من بوابة تسعير الأزمة الأوكرانية، قد يعيد بعضاً من اللحمة إلى الداخل الأميركي المنقسم في مواجهة “الأخطار” التي تمثلها موسكو.
وتهدف واشنطن إلى تعكير علاقات روسيا مع أوروبا وألمانيا وفرنسا، والتي تنامت كثيراً في الآونة الأخيرة، وخصوصاً أنها ارتكزت على بعد اقتصادي – طاقوي يتمثل بمشروع “نورد ستريم 2″، وبعد سياسي يتمثل بالدور الأوروبي، وتحديداً الفرنسي الألماني الفاعل، في التوصل إلى اتفاقيتي “مينسك 1″ و”مينسك 2” ومسار “النورماندي”، والتي لم ترضَ عنها واشنطن.
لذا، إنَّ صب الزيت الأميركي على نار الأزمة الأوكرانية يندرج في سياق سعي واشنطن لاستدراج الأوروبيين إلى تصعيد الموقف مع روسيا الاتحادية، ومنعها من الولوج إلى فضائها الأوروبي، وإثارة الصراع بين أوروبا وروسيا الاتحادية وجعلهما تتنازعان اقتصادياً وجيوسياسياً، بهدف استنزاف روسيا وإضعافها وإنهاك أوروبا، بدفعها نحو المزيد من توتير علاقاتها مع موسكو والضغط عليها. هذه الحالة، بحسب القناعة الأميركية، ستدفع أوروبا أكثر إلى الارتماء في أحضان الولايات المتحدة، طلباً للمزيد من الحماية الأميركية.



