“كأنها حياة” سيرة عراقية ذات أوجاع شخصية وجماعية بمذاق الحنين

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
ترى الناقدة نشوة أحمد أن الشاعر فاروق يوسف في ديوانه “كأنها حياة” يكتب سيرة عراقية بمذاق الحنين في استعادة سردية لأوجاع شخصية وجماعية فرصد الأزمات العراقية مع دول الجوار، التشرذم والتعصب، والحصار الاقتصادي الذي أودى بحياة أكثر من مليون ونصف المليون طفل عراقي .
وقالت أحمد في قراءة نقدية خصت بها (المراقب العراقي): شذرات حياتية متفرقة، يُلملمها الشاعر والناقد العراقي فاروق يوسف، في كتابه “كأنها حياة – نصوص من سيرة مبعثرة” (دار خطوط وظلال) يمزج يوسف في هذا الكتاب بين الخاص والعام، والهم الشخصي والهم الجمعي، فينسج رؤية جديدة، تنطلق من حدود الذات، لتعبر إلى العالم الرحب، توثق الجمال والقبح وتُؤاخي بين الألم والأمل.
وأضافت: عبر العتبة الأولى للنص مهَّد الكاتب لمقصد الرحلة، وغاية السطور، مستخدماً أداة التشبيه “كأن” ليجمل رؤيته للحياة التي عاشها، والتي نقلها عبر نصوصه، ليشي بأن حياته لم تبلغ تصوراته عن الحياة، وإنما اقتربت منها، وربما ابتعدت عنها لكنها أبداً لم تماثلها، بل باتت تشبهها وحسب. وهكذا، مرر الكاتب طيفاً من الألم، ظل مصاحباً لكل محطات رحلته، وإن لونها في بعض الأحيان بشيء من الرضا كذلك كان الشق الثاني من عنوانه “نصوص من سيرة مبعثرة”، دالاً على انتهاجه التجريب والتفكيك، واتباعه اللانسق، فلا أحداث متسلسلة، ولا زمناً متدفقاً، وإنما هي لحظات ومواقف متفرقة، في فضاءات مكانية منفصلة، وزمنية متباعدة، اقتنصها من رحلته، التي توزعت بين الوطن والغربة، لكنها جميعها تشاركت وحدة الشعور ولسان السرد.
وتابعت :إن العتبة الثانية التي استهل بها يوسف نسيجه، كانت اقتباساً من الروائي الفرنسي مارسيل بروست: “الأفضل أن يرى الإنسان حياته في الحلم بدلاً من أن يعيشها. مع أن عيشها هو أيضاً أن يراها في الحلم، وإنما بغموض أقل وبوضوح أقل في آن معاً” (ص2)، ليؤكد غموضاً واغتراباً يغلف الرحلة، ويمرر ضمناً تساؤلات جدلية عن ماهية الحياة.
وواصلت :شرع الكاتب في تأسيس بنائه بلغة مغايرة، تجلى عبرها تكوينه الثقافي، واحترافه فنوناً عدة، يجمع فيها بين الشعر والرسم والسرد، ليمنح المجاز في نصوصه بطولة مطلقة، انطلق منها إلى مساحات لا محدودة من الخيال. وكان للمفارقة الكبرى التي تسنى له معايشتها ومقاربتها واقعاً، في حياة توزعت بين الوطن والغربة؛ أثراً في رصد وتوثيق العديد من الثنائيات الحياتية المتقابلة عبر سيرته، والتي تنوعت بين الثلج والدفء، والعزلة والصخب، والخوف والأمان، والحياة والموت. وقد أتاحت له تلك الثنائيات المتناقضة ممارسة نوع من النقد للواقع العراقي، وللعراقيين في لحظات زمنية متفرقة.
وأوضحت :على الرغم مما يمكن وصف النسيج به، من كونه نوعاً من الأدب الشخصي، فإن فاروق يوسف لم ينقل تجربة الذات وسيرتها، في حدود النفس الضيقة، وإنما جاوزها إلى حدود أوسع وأكثر شمولية، فطرق قضايا الوطن الكبرى، ليوثق تاريخاً من المآسى، تجرعها العراق على مدار عقود متوالية، كما تجرعها في حقب تاريخية أبعد فرصد الأزمات العراقية مع دول الجوار، التشرذم والتعصب، والحصار الاقتصادي الذي أودى بحياة أكثر من مليون ونصف المليون طفل عراقي، بسبب نقص الدواء والغذاء، تحت مظلة الشرعية الدولية، ودفع العراقيين للهرب من الوطن والقفز من السفينة، سعياً للنجاة باللجوء… “قفز أهلي كلهم. المجانين قفزوا وتركوا البيت خالياً”.
وختمت : مرر الشاعر قضايا أخرى كالاحتلال الأميركي، وخيانة البعض لوطنهم وتأييدهم للمحتل، واحتضار الأمة التي كانت من قبل قبلة التاريخ. هكذا بدا الكاتب مسكوناً بالوطن وآلامه على الرغم من الغربة والارتحال، وعلى الرغم ذاتية السيرة فبينما استحوذت على عينيه مشاهد الثلج والغابات والحدود والقطارات، كانت ذاكرته مرصودة للحنين وحسب، وما إن أشرقت فيها شمس اللغة حتى تجلى الدفء في نصوصه المبعثرة، وأضاءت بصور الوزيرية، وشارع المغرب، وشارع الرشيد، والنجف، وغيرها من معالم الوطن.



