الجوانب البلاغية والأدبية المتوهجة في نهج البلاغة

كريم شلال الخفاجي 2-3
وفي ثنايا هذا السفر العظيم نلحظ أيضا إلتفاتة الإمام ( ع ) الى عمق التحليل النفسي للأبداع البلاغي ، كل ذلك كان حافزا في نهج البلاغة ، وكان بذلك مسايرا الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ، حيث كان لوقعها نفوذ وإستقرار في نفسية الإنسان وأبتعادها عن الدنيا وملذاتها ، فالخالق ( عز وجل ) يخاطب الأنسان بقوله :
” يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للمؤمنين ” ، وقوله تعالى :
“في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ” ، والإمام ( ع ) كان مسايرا للنهج السماوي المنصب حول ” أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ” فيقول الإمام في ذلك :
” ما أصف من دار أولها عناء ! وآخرها فناء ! في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، من أستغنى فيها فتن ، ومن أفتقر فيها حزن ، ومن ساعاها ( جاراها سعيا ) فاتته ومن قعد عنها دانته ( طاوعته ) ومن أبصر بها بصرته ، ومن أبصر أليها أعمته “. ، وقوله : ” وأعلموا أن مجازاكم على الصراط ومزالق دحضه ، وأهاويل ذللــه، وتارات أهواله ، فأتقوا ألله عباد ألله تقية ذي لب شغل التفكير قلبه ، وأنصب الخوف بدنه ، وأسهر التهجد غدار نومه ، وأظمأ الرجاء هواجر يومه ، وظلف الزهد شهواته ، وأوجف الذكر بلسانه ، وقدم الخوف لأمانيه ، وتنكب المخالج عند وضح السبيل ، وسلك أقصر المسالك ألى النهج المطلوب ، وتفتله فاثلات الغرور ، ولم تعم عليه مشبهات الأمور ظافرا بفرحة البشرى ، وراحة النعمى ، وفي أنعم نومه ، وآمن يومه ، وقد عبر معبر العاجلة حميدا . . ” وهنا أستخدم الإمام ( عليه أفضل الصلوات والسلام ) كلمات تدلل على العمق البلاغي ودواعي التأثير ذاهبا بذلك ما لتأثيرها في النفس البشرية ، وأستخدامه لهذا الاسلوب البلاغي الذي يخترق كل الحجب في النفس البشرية ليصل الى أعماقها، مناشدا الى رص الصفوف والى وحدة الامة بعيدا عن النهج التعصبي المذهبي الذي يشتت الامة فيقول : ” أين تذهب بكم المذاهب ، وتتيه بكم الغياهب وتخدعكم الكواذب ؟ ومن أين تؤتون والى أين تؤفكون ؟ فلكل أجل كتاب ، ولكل غيبة أياب ، فأستمعوا الى ربانيكم ، وأحضروا الى قلوبكم ، وأستيقظوا أن هتف بكم ، وليصدق رائد أهله وليجمع شمله وليحضر ذهنه ، فلقد فلق لكم الامر فلق الخرزة ، وقرفه قرف الصمغة فعند ذلك أخذ الباطل مأخذه ، وركب الجهل مراكبه ، وعظمت الطاغية وقلت الداعية ، وصال الدهر حيال السبع العقور ، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم ، وتواخى الناس على الفجور ، وتهاجروا على الدين أو تحابوا على الكذب وتباغضوا على الصدق ، فأذا كان ذلك كان الولد غيظا ، وكان أهل ذلك الزمان ذئابا ، وسلاطينه سباعا ، وأوساطه أكالا وفقراؤه أماتا ، وغار الصدق ، وفاض الكذب ، وأستعملت المودة بالسان ، وتشاجر الناس بالقلوب ، وصار الفسوق نسبا والعفاف عجبا ، ولبس الاسلام لبس الفرو مقلوبا ”
وهو تشخيص للسبب وو ضع للعلاج وللنفس البشرية من دنسها وفسوق أهلها ووضع الاسلوب الاقوم لتوحيد الامة ، رافضا التداخلات الفكرية والمذهبية التي تشتت الامة وتذهب بريحها.
وقد يتلمس المتذوق الادبي فيض التناسقات الايقاعية في هذا النهج ، فمن قراءتنا لوصيته ( ع ) لولديه الحسن والحسين ( عليهما السلام ) لما ضربه إبن ملجم لعنه الله ، يقول : ” أوصيكم وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، والله الله في الايتام فلا تغبوا أفواههم ولايضيعوا بحضرتكم ، والله الله في جيرانكم فأنها وصية نبيكم . . ” وتكمن في هذا النص مظاهر الايقاع المتمثلة بالتكرار الذي لايحتاج الى التأمل والاكتشاف فهي واضحة على جسد النص وهي تتمحور حول تكرار لفظ الجلالة ( الله الله ) وهو يصب في قيمة أنسانية وأسلامية تختلف في كل مرة تليها وهي قيمة دلالية تؤكد الامكانات البلاغية والشعرية البديعة في نهج البلاغة ، التي يمتلكها الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) بالرغم من سوقها وهو طريح فراش الموت ، ومن الملاحظ أن نهج البلاغة أحتوى على الغريب في ألفاظه : ففي قوله ” لقد نهضت فيها ، وما بلغت العشرين ، وهأنذا قد ( ذرفت ) على الستين ” ، فوردت لفظة ( ذرف ) من ( ذرفت الدمع ) بمعنى ( صببته ) ألا أنها في القول وردت بمعنى ( زدت ) كما يؤكد ذلك ” ميثم البحراني ” في شرحه لنهج البلاغة ، كذلك وردت لفظة ( هاتا ) بمعنى ( هذه ) في قوله ( ع ) : ” فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ” وقوله : ” والله ما أبالي دخلت الموت ، أو خرج الموت ألي ” فقد أستعمل ( أو ) في سياق الفعل أبالي ، والمعروف في مثل هذا الموضع يأتي أستعمال ( أم ) كما ورد في ” مغني اللبيب عن كتب الاعاريب ” لصاحبه ( إبن هشام الانصاري ) .
وهذا الاسلوب يقودنا الى أيضاح ما بلغته مكانة ” نهج البلاغة ” ، يقول عبد الحميد الكاتب : ” حفظت سبعين خطبة من خطب الاصلع ـ ويعني عليا ( ع ) ـ ففاضت وقيل له ما الذي خرجك في البلاغة ؟ قال خطب الاصلع ” ، من هذا وغيره أصبح هذا النهج محط أنظار الشراح فقد شارفت شروحه على ( الثمانين ) شرحا أو يزيد كما يشير ألى ذلك صاحب ( موسوعة الغدير ) وكثرت الدراسات الجامعية أيضا حوله ، ويبقى النهج مملوءا بالكوامن التي لم ينقب عنها بعد ، وطبع طبعات كثيرة منها ” طبعة بيروت / 1885م بتعليق ( الشيخ محمد عبدة ) وهنالك طبعات أخرى منها ( شرح إبن أبي الحديد المعتزلي ) وشرح ( البحراني ) وشرح ( الخوئي ) ووصلت شهرت الى المستشرقين ، وهنالك ترجمات فارسية كثيرة للكتاب وأشهرها ترجمة السيد ( علي تقي فيض الاسلام ) وترجمة الدكتور ( السيد جعفر شهيدي ) ، أما أشهر تحقيقاته فهي : تحقيق الشيخ ” محمد عبدة ، وتحقيق الدكتور صبحي الصالح وتحقيق علي تقي فيض الاسلام باللغة الفارسية ” .
وقد وردت أقوال لبعض العلماء والادباء في نهج البلاغة ومنهم :
* الشيخ ” محمد عبدة ” : ما يمكن أن يعرض الكتاب من أغراض الكلام ، فيه الترغيب والتنفير والسياسات والجدليات والحقوق ، وأصول المدنية ، وقواعد العدالة والنصائح والمواعظ ، فلا يطلب الطالب طلبه ألا يرى فيه أفضلها، ولاتختلج فكرة ألاوجد فيها أكملها .
* الشيخ ” إبن أبي الحديد ” : ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لايجارى في الفصاحة ولايبارى في البلاغة وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحة هذا الكتاب في كتابه ( البيان والتبين ) .
* أحمد حسن الزيات : ولانعلم بعد رسول الله فيمن سلف وخلف أفصح من علي في المنطق ، ولا أبل منه ريقا في الخطابة ، كان حكيما تتفجر الحكمة من بيانه وخطيبا تتدفق البلاغة على لسانه ، وواعظا ملء السمع والقلب ، ومترسلا بعيد الحجة ، ومتكلما يضع لسانه حيث يشاء ،وهو بالأجماع أخطب المسلمين ، وأمام المنشئين ، وخطبه في الحث على الجهاد ، ورسائله الى معاوية ووصف الطاووس والخفاش والدنيا وعهده للأشتر النخعي أن صح من معجزات اللسان العربي ، وبدائع العقل البشري وما نظن ذلك تهيأ له ألا لشدة خلاطة الرسول ومرانه منذ الحداثة على الكتابة والخطابة .
* العلامة محسن الامين : ومن التحامل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع) ألتماس الوجوه والطرق والوسائل لأنكار نسبة نهج البلاغه اليه وانه من تاليف السيد الرضي .
* ويقول الجاحظ في ( البيان والتبيين ) : ” أول البلاغة أجتماع آلة البلاغة ” وأرى أن صاحب نهج البلاغة ، كان أمتلاكه لها أمرا طبيعيا .




