ثقافية

وجه أميركا المعتم تكشفه عين المصورة فيفيان مايير

 

المراقب العراقي/ متابعة…

عام 2009، وضمن بحثه عن صور فوتوغرافية لتزيين كتاب تاريخ محلي، اشترى الوكيل العقاري الشاب جون معلوف، وهو أميركي من أصول لبنانية، جزءاً من أغراض شخص مجهول، في المزاد العلني، يتضمن مجموعة كبيرة من الصور والأفلام. داخل العلب التي وُضعت هذه الصور فيها، وقع على مغلف يحمل اسم فيفيان مايير. وحين حاول معرفة هوية هذه المرأة على شبكة الإنترنت، اكتشف دعوة لحضور جنازة امرأة بالاسم نفسه توفيت قبل أيام قليلة، فاتصل بناشري هذه الدعوة، الإخوة الثلاث غينسبورغ، وتبين له منهم أن هذه المرأة هي صاحبة الصور التي اشتراها. فانطلق في جمع المعطيات القليلة المتوفرة حول حياتها، وفي رقمنة أعمالها الفوتوغرافية، قبل أن ينظم لها معرضاً في “مركز شيكاغو الثقافي” عرف نجاحاً فورياً كبيراً لفت انتباه النقاد إلى فنانة عملاقة لا يعرفها أحد.

وُلدت مايير في نيويورك عام 1926، من أب أميركي وأم فرنسية، ومارست طوال حياتها مهنة مربية أطفال، في نيويورك أولاً، ثم في شيكاغو حيث توفيت. حياة كاملة إذاً أمضتها في الظل إلى حين اكتشاف معلوف، والعالم من خلاله، عملها الفوتوغرافي بعد وفاتها. عمل مذهل في حجمه وقيمته الفنية، يتضمن 120 ألف صورة فوتوغرافية، أفلاماً بقياس 8 و16 ملم، تسجيلات صوتية، وعدداً كبيراً من الأشرطة الفوتوغرافية التي كانت تنتظر تظهيرها. كنز يعكس شغفاً سكن مايير ودفعها إلى ممارسة التصوير بشكل يومي.

المتأمل في أعمالها المعروضة حالياً يلاحظ فوراً أن مايير، منذ صورها الأولى، تفحصت وسبرت بعدستها النسيج المديني لوطنها الذي يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية لتاريخه. فمنذ مطلع الخمسينيات، وبعد تلاشي العلامات الأخيرة للكساد الكبير وطي الحرب العالمية الثانية صفحتها الأخيرة، شهد المجتمع الأميركي عملية تطور مسعورة. إنه زمن البحبوحة والإفراط والنشوة، زمن الحداثة التي تخفي نقيضها بالأضواء المسلطة عليها، أي ذلك الوجه الأسود أو العالم الخلفي الذي شكل جوهر عمل مايير وهاجسها الثابت.

وفي هذا السياق جاء تصوير مايير للناس غير المرئيين، لأولئك الذين أُبعدوا إلى الهامش كنوتات نشاذ داخل سمفونية الحداثة، وأخفاهم “الحلم الأميركي” خلف ديكوره البراق. أشخاص بوجوه تالفة يسكنون زمناً وسطياً وينزلقون بصمت نحو عزلة يتعذر سبرها، مثقلين بقدر لا يُحتمل، وينتظرون أن يأتي من يخلصهم منه، أو يموتون من اليأس والإرهاق. أشخاص لا ننظر إليهم، ولا وجود لهم إلا داخل الوجه المعتم لأميركا، والعالم عموماً. ولأن مايير مثلهم، كانت قادرة على رؤيتهم وسحبهم إلى دائرة الضوء عن طريق تفصيل فيهم، شيء ما في وجههم، في هندامهم، في وضعيتهم، وغالباً تلك العزة والنبل فيهم اللذين وصفهما جيداً الكاتب الفرنسي بوسويه في “عظات وصلوات” (1669).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى