من الذاكرة البغدادية حكاية مدير الشرطة والوصي عبد الإله في إنقلاب عام 1949

كان ناجي السويدي قد علم بتحركات مدير الشرطة العام من بعض من اخبروه قبلا ولم يشعره بذلك وانما استرسل معه .. ثم اتصل بالوصي على العرش ليلا واعلم
بعزم الحجازي قبل أن يتصل احد ليكون على علم . ورأى اللواء علي الحجازي أن يتصل بالامير عبد الاله الوصي هاتفيا في قصر الرحاب ، واعلمه بعزمه . وإن الحال في البلاد لاتحتمل هذه الوزارة التي جاءت خلاف رغبات الشعب ..
فقال له الوصي : هل اخبرت رئيس الوزراء بما تنوي ؟ قال : نعم .. قال الوصي : طيب الصبح نجتمع هنا ونبحث هذا الموضوع ، واغلق الهاتف .
لم تشف هذه المكالمة المقتضبة عبر الهاتف غليل الحجازي .. فإستمر باتصالاته بالمراكز التابعة له ، وكانت بعض الجهات قد اعلمت الوصي بهيمنة الحجازي على المرافق العامة !! وقامت رئاسة الاركان بدورها المقابل لصد ما يواجهها . أمر الوصي مرافقه الخاص العقيد عبيد عبد الله المضايفي بالذهاب الىالشرطة العامة في السراي ومعالجة الموقف ، وعبيد حجازي الاصل و والده الشيخ عبد الله صفر المضايفي ، والمضايفي في عرف الحجاز كرئيس التشريفات وهو الحاجب عند ملك الحجاز ، يومها كان هذا في خدمة الملك فيصل الاول في الحجاز ورافقه عند مجيئه الى العراق ، واصبح تشريفيا في البلاط لشيوخ القبائل لمدة طويلة ، ويتمتع بكرائم الخلق وسداد الراي مما جعله موضع رضا الجميع وتقديرهم ، وكذلك إبنه الكبير عبيد الذي دخل إلى اللواء علي الحجازي والبشاشة ملء وجهه ..
قائلا : شنو هاي يا پاشا ؟؟ ما افتهمنه ؟؟
قال علي الحجازي : يا أخي حمضت !! الناس ماتكدر تتحمل هذا الوضع !! الوزارة پورتسموثية ! ونصها من جماعة صالح جبر ! صدور الناس راح تنفجر من الحنق ! كافي !
قال عبيد : طيب ياپاشا ليش ماتروح للقصر وتفهم سيدنا زين !! سيدنا ما يدري !! وهذوله ما يوضحون له الاوضاع زين ! وقبل ما يصير شي إنت احفظ جانب سيدنا لجنبك حتى تقدر توجهه زين !!
رد علي الحجازي : امشي نروح عند سيدنا !
ويخرجان سوية في الساعة الثالثة والربع بعد منتصف ليلة الاحد 11 شباط 1950 من مديرية الشرطة العامة ..
قال عبيد : يا پاشا تركب معي احسن لو اركب معاك ؟؟
علي حجازي : كيفك !
عبيد : اركب معي احسن وارجع اوصلك .. وركب الاثنان سيارة عبيد عبد الله المضايفي ومعهم أحد الانضباطية الخاصين بعبيد ، وحينما وصلوا قصر الرحاب كان الوصي ينتظرهم ولحقت بهم السيارات المصفحة للجيش .. ودخلوا بهو قصر الرحاب قبيل الساعة الرابعة صباحا ، وقد لاحظ الوصي عليا مخمورا . وفات على علي حجازي إنه سيمثل أمام الوصي بهذه الحالة !!
قال الوصي : شنو هاي يا علي ؟؟
قال علي حجازي : سيدنا .. الاوضاع رديئة والناس ما تحب هذه الوزارة .. ولاتحب صالح جبر ! ولاتزال تذكر موقفه في پورتسموث ، ونصف الوزارة من جماعته ، ما يصير !!
رد الوصي : أنا اختاريت الوزارة واشخاصها !!
الحجازي : سيدنا نصفهم من جماعة صالح جبر ! والناس ما ترتاح لهم ولا بهذا العدد !
الوصي : نسيت يا علي إن جماعة صالح جبر هم ضعف جماعة توفيق السويدي وتوفيق وهبي معا ! وأنت تعرف هذا زين ، مع هذا جعلت سبع حقائب وزارية لجماعة توفيق وصاحبه وهم اقلية خمس حقائب وزارية لجماعة صالح وهم الاكثرية . وقبل صالح واشــترك مع توفيق ..ونظر الوصي له يحنق .
حجازي : سيدنا كلامك على الراس ولكن الناس امتعضوا من هاي التشيلة .
رد الوصي : إني اعرف إشلون اعالج الموقف ! هذا مو شغلك ، ثم . انت مدير شرطة عام ! ومهمتك الرسمية المحافظة على الامن والنظام بالبلاد . وأني إئتمنتك على هالمنصب ؛ وأذا عندك شي تخبر رئيسك ثم تخبرني ، لا بهذا الاسلوب تحرك من نفسك قوة سيارة وحسب رغبتك تعلن العصيان على الحومة . هذا اللي انتظرنا منك ؟؟
الحجازي : لاسيدنا أني ما اعلنت العصيان ! …
التفت الوصي حانقا ونظر الى احد المرافقين الذي تقدم في الحال الى اللواء علي حجازي ؛ حياه اولا ثم قال له تفضل سيدي معي !! وأخذ المرافق علي پاشا الحجازي معه الى حيث اعتقله بقية تلك الليلة ..
انتهى حديث معمر حسين مدير القلم السري للامير عبد الاله ..وفي يوم 13 شباط 1950 أحالت وزارة الداخلية علي محمد خالد الحجازي الى محكمة الجزاء المختصة ، وطلبت وزارة العدلية محاكمته وفق المادة 80 و81 من قانون العقوبات التي تنص الاولى منه ( المعاقبة بالاعدام لمن نظم أو ترأس أية عصبة مسلحة هاجمت فريقا من سكان البلاد أو قاوم بالسلاح تنفيذ القانون .. الخ ) ونصت
المادة الاخرى ( معاقبته بالاشغال الشاقة والحبس مدة لاتزيد على خمس عشرة سنة …الخ ) .
وفي 9 نيسان 1950 حكمت محكمة الجزاء الكبرى عليه بالاشغال الشاقة المؤبدة ، وكانت ساحة المحكمة مليئة بالمتظاهرين ضده والمتحاملين عليه بهتافات نابية ، ومعظمهم من رجال الشرطة يتقدمهم عبد الرزاق الفضلي من مدراء الشرطة المتقاعدين ..واستؤنف القرار والتمييز واعيد ثانية الى ان حكم عليه مؤخرا في 17 حزيران 1950 بالسجن لمدة ثلاث سنوات . وادخل السجن المركزي بباب المعظم من بغداد وأعدت له غرفة مبردة وسرير و وسائد وفرش من منزله ، ومناضد وكراسٍ للزائرين له يوميا من شخصيات البلد ..كما اعد له ليلا سرير خاص وفراش وثير على سطح السجن بحكم حرارة الصيف ومراوح لتلطيف الجو ، وكراسٍ ومناضد لزائريه ليلا مع الهدايا المناسبة اليه ..والمعروف إن الذين حرضوا علي حجازي على عصيانه ودفعوه الى القيام به هم عدد معروف من وزراء الداخلية والمالية والدفاع السابقين في مجلس خمر ..وانه اعتمد باسنادهم له فأقدم على ما اقدم عليه .. وكان هؤلاء وغيرهم من كبار الساسة ومن خصوم صالح جبر وجماعته هم في مقدمة زائريه الموجودين عنده ليلاً وسياراتهم عند باب السجن ملحوظة ، وصوت الطاولي على السطح مسموع لهؤلاء اللاعبين المرفهين وله وضعه المتميز في السجن ، وموظفو السجن في خدمته .وهذا لون من الوان السجن وبالاشغال الشاقة ايام العهد الملكي في العراق ونقيضه لمشايخ الوطنيين ايضا مدون ومشهود ..
ولما شكل نوري پاشا السعيد في 16 أيلول 1950 وزارته الحادية عشرة ؛ استصدر إرادة ملكية في 30 تشرين الاول 1950 بإعفاء علي محمد خالد حجازي مما تبقى من محكوميته ، فأطلق سراحه في الحال بعد أن امضى ثمانية أشهر فقط من مدة محكوميته ، في غاية الترفيه والتكريم . بحكم التوصيات المتوالية من الامير بشأنه وكان يرعاه في جميع مراحل عصيانه ومحاكمته وسجنه ، وحين خرج كان عدد من الوزراء السابقين بصحبته الى داره ، لإن الامير عبد الاله لم ينس موقف علي حجازي اثناء حركة رشيد عالي الكيلاني في أيار عام 1941 ، ولذلك قربه اليه ولم يحفل بما اشتهر عنه وماعرف به . وفي عصيانه المسلح على الحكومة كيف الوصي وقف على نحو ماتقدم . وكان له ما كان !! ولو كان صادرا من غيره لكان غير هذا الشأن.




