“أثر من ذيل حصان” إعادة صياغة عالم مرتبك تمزقه الحروب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد صدام ابو مازن ان ديوان “أثر من ذيل حصان” للشاعر عبود الجابري يمثل إعادة صياغة عالم مرتبك تمزقه الحروب وتقتله شوقا “رائحة الخبز” عبر كتابة اليومي بلغة المستقبل .
وقال ابو مازن في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ان الشاعر العراقي عبود الجابري يمزق في ديوانه “أثر من ذيل حصان” الرتابة والكلاسيكيات وجلابيب الحداثة على مذبح الإتيان بقصيدة تعيد صياغة يوميات لم تكن مألوفة ولا مكتوبة، في محاولاته الحثيثة لاجتراح قصيدة نثر مغايرة تتراقص على ألسنة من نار المجهول.
وأضاف: “مهنة قاتلة أن تحمل في يدك نقطة وتنفق حياتك باحثا عن آخر السطر”بهذا الاستهلال يفتتح الشاعر العراقي، المقيم في الأردن، مجموعته الشعرية الجديدة “أثر من ذيل حصان”، الصادرة حديثا في بغداد ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، وهي المجموعة السادسة في تسلسل إصدارات الشاعر الإبداعية.
وتابع: تقع المجموعة في 100 صفحة من القطع الوسط، وتحتوي على 27 نصا، وتتسم بالخفة والحدة في سياقها الشعري، إذ تضيق الأرض بالشاعر فيلجأ إلى الابتهالات واستعطاف الأرض وليس له من سبيل غير الشعر، فهو بضاعته وقربانه الوحيد لهذه الأرض، حتى وإن ضاق بعض الموتى بمناجاته -كما يتجلى له في فضاء خياله الشعري- لكنه على يقين “أنه لا يزاحم أحدا في قبره، إنما يريد من الأرض أن تتسع قليلا”، على حد تعبيره.
وبين :تتموضع نصوص المجموعة في ارتباك لافت وقلق في رأس الشاعر، وقد حاصرته المكابدات اليومية، لتجعل منه رجلا منفيا، صيرته غربته عن الوطن الأم “شجرة ضوء في ليل الشهداء”، في مقابل فراغ مهيب يزلزل العالم ويفرغ المدن من ساكنيها، ولذلك يبدأ الشاعر في توهم هل هو يحيا فعلا على هذه الأرض أم أنه قد مات ربما؟
وواصل :الأرض مشدودة على حالها ولا تتسع لأظافر -شاعر- حالمة ببناء بيت للنمل على التراب، على الأقل، ليسدي خدمة إنسانية تشعره بأنه ما زال على قيد الحياة، خدمة قد تؤوي سرب نمل تائه أو قد تروي عشبة يتيمة بالماء في مكان ما، غير أن شعورا غريبا بأن لا حاجة للمدن أو للعالم بخيالات شاعر ما هو إلا فانوس فائض عن حاجة المدن الفارغة من أهلها، وعليه أن يتعايش مع هذه الفكرة مستقبلا؛ فكرة أن المدن ليست في حاجة لأفكاره الفضفاضة التي ضاق بها العالم، في انتظار طويل، مثل أشياء معلقة تنتظر بلهفة ذبول المسامير لكي تسقط.
وأوضح : تشتغل قصيدة الجابري على الحفر في الروح حتى تدمى، والتنقيب عن الجمال في أقصى نقطة أمل، وإن كانت المعطيات بائسة ومنكسرة وتتلاشى، إلا أن الشعر يبتكر فتوحاته فتتجلى انتصاراته على الورق وعلى المنظور البعيد، فهو ملاذ حتمي، وتفريغ لشحنة قلق تحل محلها ابتهالات قصيدة عاشقة وعنيدة لا تستسلم، ولا تتوارى خلف حجب الضياع.
وأكمل :في محاولة للاقتراب من نصوص الديوان والتقاط انفعالات قصيدته الباحثة عن الكمال في لحظة تشظي تخوضها البشرية اليوم، وسط ميدان قلق جمعي مرعب، يأخذك عبود الجابري إلى ابتكار صور خرجت لتوها من جمجمة شاعر يفلق الصخر فيجعل منه بيتا للنمل ولصغار الحشرات وأضعفها، يبني أعشاشا لطيور تائهة، ويقيم حفلة في أمسية مأهولة بالحيرة، كي يفتح بابا للفرح من حيث لم تستطع عدة نوافذ، في الواقع وفي الافتراض أن تفعل.
ولفت الى انه في سبيل تجاوز الكتابة الشعرية النمطية والرتيبة، يبتكر الجابري دروبا جديدة هي من صناعة شاعريته الفذة، لا اجترار فيها لماضوية الكتابة، ولا ارتكاب خطيئة تكلف في القول، إنما الكتابة التي تقرأها فتشعر أنك في محشر مهيب على منصة غير معروفة، أو في ميدان من ميادين الأرض المغمورة.
ونوه الى انه في سياق النصوص، تجتمع كائنات من أجناس وخلائق وعوالم متباينة، بمن فيهم الأشباح وسكان المقابر، يموضعهم الشاعر في سياق نص مفاجئ، بينما يرسم مشهدا يستيقظ جمهوره على وقع أقدام تضرب الأرض، وعند منعطفات في العتمة، تتملك القصائد رغبة “تأجيل الصباح”، فيتطوع أحدهم بسترته لتغطية جثة يتيمة، وهنا يسعى الجابري، لتغطية جثة العالم وقد أثخنتها حروب البشرية وأدمتها ومزقتها خناجر أبناء آدم “الإخوة الأعداء”.
وختم :يمزق الجابري في “أثر من ذيل حصان” الرتابة والكلاسيكيات وجلابيب الحداثة على مذبح الإتيان بقصيدة تعيد صياغة يوميات لم تكن مألوفة ولا مكتوبة، في محاولاته الحثيثة لاجتراح قصيدة نثر مغايرة وتتراقص على ألسنة من نار المجهول.ثم إن الجابري يربك القوالب النقدية الجاهزة، التي حاول أصحابها وضع لبنات رئيسة للاقتراب من أفق كتابة قصيدة النثر العربية؛ إذ يقدم نصا خارج التصنيفات، وفي جعبته هدايا مباغتة لـ(نسوة حزينات/ يتناوبن على ثوب واحد)، على أصوات طبول تقرعها “عظام سيقان موتى”.



