سلايدر

الأعلم في التقليد وكيف نتعرف عليه؟.. بحث في آراء الفقهاء

jljjj

من المسلم به أنه يجب على كل مكلف غير بالغ مرتبة الاجتهاد أن يكون في غير الضروريات (وهي المسائل الواضحة عند المسلمسن كافة وضوحاً جليّاً كوجوب: الصلاة،وحرمة شرب الخمر،واستحباب الدعاء..)من عباداته ومعاملاته ولو في المستحبات والمباحات إما مقلِّداً أو محتاطاً بشرط
أن يعرف موارد الإحتياط ولا يعرف ذلك إلا القليل فعمل العامي الذي لا يعرف مواضع الاحتياط من غير تقليد باطل على التفصيل التالي:
1ـ عمل الجاهل المقصّر الملتفت من دون تقليد باطل،إلّا إذا أتى به برجاء درك الواقع،وانطبق عليه أو على فتوى من يجوز تقليده.
2ـ عمل الجاهل القاصر أو المقصّر الغافل مع تحقّق قصد القربى صحيح إذا طابق الواقع أو فتوى المجتهد الذي يجوز تقليده.والتقليد هو العمل مستنداً الى فتوى الفقيه.و بعد أن يتوصّل غير المجتهد من المكلّفين إلى وجوب تقليد الأعلم فإنّه سيسأل عن الوسيلة التي من خلالها يتعرّف على الأعلم،وهنا يجد أمامه الوسائل التالية التي دوّنها الفقهاء في كتبهم بعد أن استفادوها من الأدلّة المعتمدة:
الوسيلة الأولى ما يفيد العلم
فمن الواضح أنّ وصول المكلّف إلى مرحلة العلم والقطع واليقين بأنّ فلاناً هو أعلم،يشكّل وسيلة تبرّئ ذمّته أمام الله تعالى،لكنّ الكلام هو في الطريق التي يتوصل الإنسان إلى هذا العلم.
وقد طرح الفقهاء طريقاً علميّاً لمعرفة الأعلم هي الاختبار الشخصي، وذلك بأن يحضّر المكلَّف عند المجتهدين الواقعين في دائرة الأعلميّة لاستماع استدلالاتهم ومبانيهم العلميّة وردّهم للإشكالات الواردة، أو الاطّلاع على كتبهم العلميّة وأبحاثهم لتحديد الأعلم بينهم. ولا يخفى أنّ الذي يستطيع القيام بهذا الاختبار هو العالم الواصل إلى مرحلة علميّة متقدّمة يستطيع من خلالها تحديد الأعلم بين المجتهدين،أمّا المكلّف العاميّ غير العالم فإنّه يفتقد هذه الوسيلة،فلا بدّ له من وسيلة أخرى.
وهنا يأتي ما طرحه الفقهاء بعنوان:”الشياع”كوسيلة لتقليد الأعلم،والمقصود به أن ينتشر في الأوساط العلميّة،أو في الأوساط العامّة أعلميّة فلان،فإنّ أفاد هذا الشياع علماً عند المطّلع عليه يكون قد حصل على الوسيلة المبرّئة للذمّة.
الشياع الموهِم
ونؤكّد هنا أنّ الشياع بنفسه ليس وسيلة صحيحة لإبراء الذمّة، بل يكون وسيلة كذلك إن أفاد العلم واليقين. ويتّضح الأمر حينما ندرس كيفيّة نشوء الشياع، فقد ينشأ الشياع من حملة إعلاميّة لم تنطلق من أسس علميّة صحيحة، فالاعلام قد يؤثّر في صناعة شياع بقضيّة غير واقعيّة، ويكون للإعلام دور في إيهام الناس بواقعيّتها. ونتيجة ذلك قد يتشكّل الشياع الموهم بصدق القضيّة، بينما تكون الحقيقة على خلافها، ولا يوجد مانع من أن تكون هذه القضيّة هي اجتهاد عالم أو أعلميّته. من هنا فإنّ الشياع الذي يُعتمد عليه كوسيلة لإثبات الأعلميّة هو ما أفاد اليقين والقطع بها، لا مطلق الشياع كيفما يتحقّق.
هل الاطمئنان بالأعلميّة وسيلة لتحديد الأعلم؟
لاحظنا ممّا مرَّ أنّ ما يفيد العلم يصِحّ الاعتماد عليه في التعرّف على الأعلم من المجتهدين،فهل ما يفيد الاطمئنان يصِحّ الاعتماد عليه كذلك؟
لا بدّ أوّلاً من معرفة معنى الاطمئنان،ومن ثمّ نجيب عن هذا السؤال.
معنى الإطمئنان
المعنى المعروف للاطمئنان، في لغة العرب، هو السكون، فالمطمئنّ إلى الشيء هو الذي سكنت نفسه إليه ولم يقلق.لذا فمعنى قوله تعالى:”وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا” أي سكنوا إليها.
وهذا المعنى للاطمئنان كان مناسباً لجعل لفظ الاطمئنان اصطلاحاً خاصّاً لتحديد نسبة ركون النفس إلى ما تواجهه ليمثّل الاطمئنان درجة عالية من الركون هي دون العلم بقليل.
وهذا الأمر هو من نتائج عصر الترجمات من لغة اليونان إلى اللّغة العربية،حينما وجدت مصطلحات خاصّة في تلك اللّغة لم تقابل بمثلها في لغة العرب،فاضطرّ المترجمون إلى اختيار بعض الألفاظ المناسبة في معانيها لتكون ترجمة مناسبة للمصطلحات اليونانيّة.
وكمثال على ذلك،ورد في لغة اليونان مصطلحٌ يحدِّد ركون النفس إلى ما تواجهه بنسبة 100% فاختير لفظ العلم مقابل ذلك المصطلح.
كما ورد في لغة اليونـان مصطلـحٌ يحـدِّد ركون النفـس إلى ما تواجهه بنسبةٍ هي فـوق الــ50% وتحت الــ100% فاختير لذلك لفظ “الظّنّ” مع أنّ الظّنّ في لغة العرب يأتي بمعنى الاعتقاد، وقد يكون الاعتقـاد قطعيّاً أي بنسـبة 100% كما ورد في تفسير قوله تعالى:”فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ” بأنّ المعنى علم واعتقد أن لن نضيِّق عليه،ومع ذلك استعمل لفظ “الظنّ” كمصطلح خاصّ يوازي ذلك المصطلح اليونانيّ.
وأيضاً في لغة اليونان ورد مصطلح يحدِّد ركون النفس إلى ما تواجهه بنسبة هي دون الـــ50% فاختير له في لغة العرب، لفظ “الوهم” مع أنّ لهذا اللّفظ معنى آخر في أساس اللغة،كما هو معلوم وواضح.
والنتيجة أنَّ عصر الترجمات أنتج معاني جديدة لألفاظ عربيّة أضحت مصطلحات خاصّة بهـا، وانتشـرت بـين الناس، حتى إنّ كثـيراً مـنهم لـم يعـد يلتفت إلى المعانـي الأصليّـة قبـل ذلــك العـصر ويمكن تلخيص ما تقدّم بالتالي:
المصطلح العربي نسبة ركون النفس إلى ما تواجهه
علم (يقين قطع) 100%
ظنّ بين 50% ـ 100%
وهم أقل من 50%
ولفظ الاطمئنان لم ينجُ من هذه التغييرات أو قل التحديدات للمعاني،إذ صار لفظ الاطمئنان اصطلاحاً لنسبة الظنّ القويّة المتاخمة للعلم كنسبة الــ99% فالاطمئنان في الاصطلاح هو أعلى درجات الظنّ، لكنّه لا يصل إلى درجة اليقين.وبعد أن عرفنا معنى الاطمئنان بالتحديد،ننتقل لمعالجة السؤال السابق:
هل الاطمئنان بالأعلميّة وسيلة لتحديد الأعلم؟.لنقل أوّلاً:ما معنى “الاطمئنان بالأعلميّة”؟.
إنّ معناه هو ركون النفس،بنسبة متاخمة للعلم،بأنّ فلاناً هو أعلم المجتهدين.
وهنا لا بدّ من التركيز إلى معنى السؤال قبل الجواب، فالسؤال الصحيح هو: هل الاطمئنان بالأعلميّة طريق لإبراء الذمّة؟.وليس: هل الاطمئنان إلى الشخص (المجتهد) طريق لإبراء الذمّة؟.
وإنّما نؤكد هذا ،لأنّ البعض قد يسأل السؤال الثاني فيقول أنا مطمئنّ إلى فلان، فهل يصِحُّ تقليدي له؟ ومراده: أنا مرتاح نفسيّاً إليه لأنّه مثلاً عالم معروف بالتقوى والعمل الصالح ممّا يوجب ركون النفس وراحتها إليه.
هنا نقول: إنّ هذا السؤال خاطئ قبل أن تأتي الإجابة عنه لأنّ الاطمئنان الصالح للسؤال عنه هو الاطمئنان بأعلميّة المجتهد بمعنى حصول ركون النفس إلى أنَّه الأعلم بين المجتهدين بنسبة عالية متاخمة للعلم واليقين،وليس الاطمئنان بمعنى الارتياح النفسيّ إلى الآخر.
وإلّا فقد تحصل هذه الراحة النفسيّة والركون القلبيّ بالنسبة إلى عالم جليل عامل لكنّه غير مجتهد،فأين هذا من التقليد الصحيح؟!.وعَوْداً إلى السؤال هل الاطمئنان بالأعلميّة طريق لإبراء الذمّة؟.
ونجيب:إنّ بعض الفقهاء لم يذكر الاطمئنان إلى جانب العلم حينما تحدّث عن الوسيلة للتعرُّف إلى الأعلم، كما يظهر ذلك من خلال مراجعة كتاب “العروة الوثقى” لآية الله العظمى السيّد اليزدي مع تعليق عدّة مراجع عليه وكما يظهر في كتاب تحرير الوسيلة للإمام الخمينيّ (قدس سره) إذ يقول:”يثبت الاجتهاد بالاختبار وبالشياع المفيد للعلم.. ” ولم يذكر الاطمئنان إلى جانب العلم.
بينما صرَّح بعض الفقهاء بأنّ الاطمئنان بالأعلميّة هو كالعلم بها في براءة الذمّة،كما ذكر ذلك وليّ الأمر الإمام الخامنئي (دام ظله) في أجوبة الاستفتاءات بقوله:”إحراز اجتهاد أو أعلميّة مرجع التقليد لا بدّ أن يكون بالاختبار أو بحصول العلم ولو من الشياع المفيد للعلم أو بالاطمئنان”.
والدليل على جعل الاطمئنان بالأعلميّة وسيلة شرعيّة لتقليد الأعلم هو أنّ الاطمئنان، وإن لم يكن علماً بالمعنى المصطلح عليه وهو ما كانت نسبة الركون فيه 100% إلّا أنّه علم عادي، وقد جرت سيرة العقلاء على الأخذ به في أمورهم. فلو لم يكن حجّة في الشريعة لوجب على المعصوم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) أن يتدخل ليبيِّن عدم شرعيّة التمسّك به،وبما أنّ المعصوم لم يتدخلّ فنكتشف أنّه حجّة في الشريعة الإسلاميّة الغرَّاء.
وهذا ما أشار إليه آية الله العظمى السيّد الخوئي (قدس سره) بقوله:”كما يثبت بالاطمئنان، لأنّه علم عادي وهو حجّة عقلائيّة ولم يردع عنها في الشريعة المقدّسة”.
الوسيلة الثانية: البيـِّنة
والمراد منها شهادة عَدْلَيْن من أهل الخبرة، كأن يكونا مجتهديّن أو عالمين قد تاخم علمهما الاجتهادَ فوصلا إلى أبوابه ولم يلجا فيه،إلّا أنهما أصبحا قادرَيْن على تمييز الأعلم من غيره.فإنّ شهد عادلان من أهل الخبرة على أعلميّة مجتهد محدَّد فقد ذكر الفقهاء أنّ شهادتهما هذه وسيلة شرعيّة لتحديد الأعلم وتقليده.
وقد سلَّم الفقهاء بشرعيّة هذه الوسيلة،بناءً على قاعدة مقرَّرة في الفقه الإسلاميّ هي “أنّ الموضوعات تثبت بالبيِّنة” إلّا إذا تدَّخل الشرع ليوضح أنّه لا يكتفي بالبيّنة بل يحتاج الأمر إلى شروط أخرى.
“والموضوعات” هنا، يُراد منها ما يقابل “الأحكام”، فحينما يتحدّث الشرع عن حرمة الخمر، فالحكم هو الحرمة، والموضوع هو الخمر. أمّا الحرمة فلها وسائل خاصّة لإثباتها، وأمّا الخمر التي هي موضوع للحرمة فما الوسيلة لإثباتها؟ أي لإثبات أنّ هذا السائل في هذه الكأس هو خمر؟ هنا تأتي القاعدة: “الموضوعات تثبت بالبيِّنة” فلو جاء عادلان وأخبرا أنّ هذا السائل هو خمر، فإنّ كلامهما يكون حجّة في إثبات الخمريّة.
وإذا عكسنا المطلب وشهد شاهدان عدلان من أهل الخبرة، أنّ هذا السائل هو خل، وليس بخمر، يكون قولهما حجّة أيضاً يصِحّ الاعتماد عليها لشرب السائل المذكور.
وكون فلان هو الأعلم بين الفقهاء يعدّ موضوعاً يثبت من خلال البيِّنة كما ذكرنا.ولم يقتصر بعض الفقهاء على إثبات الموضوع بالبيّنة، بل قالوا يكفي خبر الثقة الواحد في إثبات الموضوع من دون حاجة إلى عادلين اثنين، وطبَّق هؤلاء الفقهاء ما قالوه على بحثنا في تحديد الأعلم، فاكتفوا بخبر الثقّة الواحد من أهل الخبرة في إثبات الأعلميّة، كما ذكر ذلك السيّد الخوئي (قدس سره) في منهاج الصالحين.وما نود الإشارة إليه ختاماً هو الفرق بين المرجعية والولاية كي لا يلتبس الأمر على البعض ـ وقد كنا أشرنا إلى هذا الفرق في موضوع سابق ـ فالمرجع يقوم بدور الإخبار عن الحكم الشرعي العام،دون أن يهتم بتشخيص الموضوعات وخصوصية هذه الأحكام التي يصدرها المرجع هي أنه يصدرها كقاعدة عامة،وعلى المكلف أن يحدد حالته الخاصة التي تطرأ عليه،وما الحكم العام الذي ينطبق عليه؟،ولا يتدخل المرجع في تحديد حالات المكلفين وهذا ما يقال له إن “تشخيص الموضوع”بيد المكلف.أما بالنسبة للولي الفقيه فالموضوع أعم وأشمل بشكل مطلق،إذ بيده إدارة المجتمع الإسلامي؛لذا فدائرة الأحكام التي يصدرها الولي الفقيه تشمل دائرة الأحكام التي ترتبط بالنظام وشؤون المجتمع والدولة وهذا ما يسمّى “بالأحكام الولائية”. فالحكم الولائي هو حكمٌ يصدره الفقيه بعد تشخيصه للمصالح والمفاسد،وهو الذي ينشئه،أي أن وظيفة الولي هي الأمر والنهي بناءً على التشخيص،وليست وظيفته الإخبار عن الحكم العام بعيداً عن التشخيص كما هو شأن المرجع.لذا فالأحكام التي يرجع فيها إلى ولاة الأمر هي: الأحكام القضائية، الأحكام الأولية العامة: أي ما يرتبط بإدارة الدولة كالأمر بالجهاد،أو عقد الصلح،الأحكام التي ترتبط بحفظ النظام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى