“كل شيء كان جيدا” فلم أبكى جمهور مهرجان كان وأضحكه

المراقب العراقي/ متابعة…
لم نحتج إلى الانتظار طويلاً في مهرجان “كان” السينمائي (6 – 17 يوليو (تموز) كي نظفر بالفيلم الذي يمكن القول إنه أول عمل ممتاز يستحق المشاهدة في تشكيلة هذا العام. إنه “كل شيء كان جيداً” للمخرج الفرنسي الكبير فرنسوا أوزون، هذا الفنان الغزير إنتاجاً وله دائماً ما يقوله في مواضيع اجتماعية ونفسية ذات عمق إنساني.
في هذا الفيلم يتعلق الموضوع برجل ضاق ذرعاً بالحياة، بعد إصابته بسكتة دماغية شلت حركته وحاصرته في وضع صحي لا يُحسد عليه. لرجلنا ماضٍ حافل، فهو عاش الحياة على أوسع نطاق. هو صناعي سابق متذوق الفن، يطارد كل ما له قيمة من لوحات ومقتنيات. لكن له أيضاً سجل طويل من الاكتئاب المزمن. المهم أن الرجل ما عاد يحتمل عذاباته، سواء الجسدية منها أو الروحية، وهي مترابطة. فيطلب من ابنته أن تساعده في إنهاء حياته مرفوع الرأس، بكرامته، كما عاش دائماً. لكن في بلد مثل فرنسا، قد تصل المساعدة على مثل هذا الفعل إلى خمس سنوات سجناً. المادة القانونية واضحة: عدم إسعاف إنسان في حالة خطر. إذاً، لا بد من سويسرا حيث القوانين أكثر تسامحاً مع الموت الرحيم. ذلك أن ما يبحث عنه هذا الأب المحتضر ليس سوى الموت الرحيم، الذي يلجأ إليه كل من قُطع أمله من الحياة وما عاد يحتمل الأوجاع جراء المرض.
هذا من جانب الأب، أما من جانب الابنة فالحكاية لها وجهة نظر مختلفة تماماً. مقابل تعصب الأب للموت وتمسكه به أشد تمسك وإصراره على الرحيل بأسرع وقت، هناك الابنة وتساؤلاتها، فماضيها في كنف هذا الأب (تصفه بالسيئ) الذي يتفجر فجأةً في مخيلتها. هي تحاول إقناعه بالعودة عن قراره، وتسعى إلى المماطلة وتأجيل الموعد المرتقب لعل وعسى. إلا أن الرجل ثابت على موقفه. يعرف جيداً وهو في الخامسة والثمانين أن ما هو فيه يصعب تسميته عيشاً، بل إنه بقاء على قيد الحياة، والفرق بينهما شاسع.
لم يقدّم أوزون محاضرة أخلاقية ولا دراسة مصوّرة عن الموت الرحيم. هذه الميلودراما الأسرية كانت أصبحت كاريكاتورية لولا براعته، رقته وتعاطفه وتفهمه أسباب كل إنسان. لا يدين أياً من الشخصيات وأفعالها. لا أحكام مسبقة في شيء. مجرد حكاية عائلية عن الحياة والموت وما بينهما من حبّ وكراهية وغيرة ولا مبالاة، تلسع في أماكن كثيرة من وجدان المُشاهد. هذا المُشاهد الذي حتماً سيجد شيئاً من تفاصيله في بعض المواقف التي يصوّرها الفيلم. فالكل في النهاية يملك أباً وأمّاً، الأمر الذي يسهل عملية التوحد مع الشخصيات. لكن أوزون يذهب أبعد من هذا كله من خلال جعل حالة اليأس التي يعاني منها الأب غير عنيفة وثقيلة على المُشاهد. بمعنى آخر، لا يشعرنا بذنب، ولا يحاول استدرار العواطف. بل حتى نضحك حين يجب أن نبكي ونبكي حين يجب أن نضحك، وهذا بسبب أن المخرج يحاول دائماً خلط الأوراق.



