نصيف الناصري.. راهب الشعر و صائد الرؤية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
أعلن منتدى الشعر المصري نتيجة الدورة الثانية لجائزة الشاعر حلمي سالم للشعر الجديد، حيث فاز بالمركز الأول ديوان “الثلاثية الأولى” للشاعر العراقي نصيف الناصري، وفاز بالمركز الثاني ديوان “أصابع مقضومة في حقيبة” للشاعرة المصرية ديمة محمود، وفاز بالمركز الثالث ديوان “أبعد بلد في الخيال” للشاعر المصري مؤمن سمير.
ومن المقرر أن يقام حفل تسليم الجائزة أواخر الشهر المقبل في المقر الرئيسي لحزب التجمع في القاهرة، في حضور الفائزين ومجلس أمناء الجائزة برئاسة الكاتبة الكبيرة فريدة النقاش، وأسرة الشاعر الراحل حلمي سالم، مع اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية.
وسيتواكب ذلك مع طباعة الدواوين الثلاثة بواسطة دار “الأدهم”، وسيفتح باب التقدم للدورة الثالثة في أول أغسطس المقبل.
وتشكلت لجنة تحكيم الدورة الثانية لجائزة حلمي سالم للشعر الجديد من الكاتبة فريدة النقاش رئيسا، وعضوية كل من الدكتور إبراهيم منصور، والدكتور محمد السيد اسماعيل، والدكتور محمد عبد الباسط عيد.
وقد أجرت لجنة التحكيم المزيد من المداولات حول نتيجة الجائزة وانتهت إلى أحقية ديوان الشاعر العراقي نصيف الناصري بالفوز بالمركز الأول حيث يمتاز بعمق الرؤية وجزالة اللغة وجدل اليومي والتاريخي والثقافي والأسطوري وقد انعكس هذا على رؤية الشاعر الكلية التي بدت قادرة على اختراق طبقات من الحفر العميق الذى يؤول في النهاية إلى تفكيك الخطاب الرجعى السائد عبر وسائل شعرية متعددة.
من جهته يرى الناقد مهدي قاسم في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ان الشاعر العراقي المعروف نصيف الناصري من الشعراء العراقيين القلة الذي يتميز بصوته الشعري الخاص به كأنما تفصالا و قياسا وقامة بارزة ، بحيث يمكن معرفة وتمييز قصيدته حتى لو نُشرت سهوا دون أن تحمل اسمه و كأنها ماركة مسجلة باسمه ،( وهو بذلك يشبه الشاعر العراقي المتميز صلاح فائق بفردانية صوته الشعري الخاص به والذي لا يمكن تقليده قطعا ) بحيث يمكن تمييز قصائد الناصري بين عشرات قصائد ، و هذا التمايز الإبداعي بحد ذاته يعد إنجازا فنيا مهما رائعا ، ربما إضافة تجديدية في وسط كثرة تشابه الأصوات الشعرية بكمياتها الهائلة والباهتة ومناخاتها الشعرية المتقاربةالمتشابهة إلى حد ما !!.
وأضاف :ان الشاعر نصيف الناصري قد قرر منذ زمن بعيد أن يكرّس نفسه و حياته وجل وقته منذورا لإلهة الشعر فقط ، كشيء وحيد وجدير بالعيش من أجل ذلك ، كمحاولة خروج من أسار تفاهة الوجود البشري بسطحيته المقعرة ، ولا شيء آخر عنده يستحق الاهتمام ما عداه ، بل أن يكون ” خادما ” مخلصا ووفيا و قيّما دائما في محرابها الإسطوري المدهش، بتعبير أدق يمكن اعتبارمصيف الناصري ــ بدون اية مبالغة ــ راهب الشعر الأوحد وحارس الرؤية وصياد أحلام اليقظة في نهارات طويلة وناعمة بتأملات وجودية ذات مسحة فجائعية حينا وانبهارات تحت طقسيات وتجليات روحانية غالبا ما تأتي متحاضنة حينا آخر.
وتابع: ان الناصري يبوح بنشيد خافت أيضا ذات إشراقة وضاءة ، بدون أية مواربة أو مهادنة كاذبة أو تقمص زائف ، عارضا جمهرة رؤيته و تجلياته الروحية و اشتعلات رغباته الجسدية والحسية والعاطفية وحتى خيباته بذلك التعري الكاشف والجلي الساطع كمرايا سطوح البحار النقية لأناه الزاخرة بشعرية متوهجة ، وذلك لعدم وجود ما يخبئه من ماض شائن أو معيب
واشار الى ان الناصري لا يتردد في أن يظهر نفسه حتى بملابس العمل دافعا عربته ككادح مثابر و حريص على كسب لقمة خبزه بعرق جبينه ، دون منة من أحد ، ولا محاولة اختلاق حالة مرض أو جنون لكي يُعفى من التزامات العمل الشريف ، فكأني به يقول :
ــ ها أنذا بكامل حقائقي ومعطياتي وبياناتي الواضحة
أمامكم كوضوح شروق شمس الصباح ! .. و أنتم ؟.. نعم أنتم المختبئين خلف أقنعتكم التنكرية والمزيفة ؟ .. إذ إن اشتغالات نصيف الناصري الإبداعية على الشعر تقوم أصلا على تحويل تفاصيل الحياة اليومية من أطرها العادية و الروتينية المملة والمكررة إلى ما هو شعري و جمالي آسرين بدهشات وانبهارات ، عبر متع حياة صغيرة و نعمها ، لتكون ذات طقسية مثيرة و تجنحات مذهلة في فضاءات مجهولة ، وهو هنا ــ وبشكل ما ــ يذكرنا بمناخات الفرنسي سان جون بيرس من ناحية تغنيه نشيد الحياة و بجمالية الوجود المفجع بزواله الحتمي ومحاولة الإمساك بها طويلا و قدر الإمكان ضد الزوال والفناء المهددين على طول الخط ، طبعا ليس تقليدا و لا استعارة ، إنما مجرد تقارب مناخات شعرية فحسب ، كمن ينهل من منابع الحياة كل حسب وسائله الخاصة به تفردا وتميزا عن بعضها .
واستطرد: و مقابل ذلك النشيد الملحمي الخافت نجد عند نصيف الناصري تدفق مخزون الذاكرة الزاخرة بتراجيديات عريقة ومعتقه من شدة الخيبة و الخذلان والفجيعة العميقة والمقيمة دوما في الذاكرة العارمة لحد الاندياح ، استنفارا دائما ، بمشاهد فقر و خيبات و وحشيات وضراوة حروب طاحنة وقسوة حياة حافلة بمرارتها،لحد الانصعاق أحيانا ! ، و إحالة كل ذلك بمهارة تلميذ متمرس طويلا في مهنته التي يعشقها لحد العبادة ، لا يمل ولا يتعب من كثرة ارتواء يومي مثير دوما ، نقول إحالة و رفع كل ذلك إلى ما هو غير عادي أو فوق ما هو مألوف بشعرية زاخرة ، مكثفة بجماليتها المبهرة ، أي إلى ما هو رؤيوي شعري مدهش و استثنائي بجماليته المتوّهجة ألقا دائما يثير الفضول ويغري بالمواصلة والتواصل حتى نهاية المشوار .



