«المراقب العراقي» تفتح ملف المثقف الإسلامي .. بين الدور التنميطي و الدور الرسالي لمواجهة الإرهاب والتخلف

الجزء الثالث
الدكتور عمار صالح العامر
تفتح جريدة المراقب العراقي في صفحتها الثقافية ملفا حيويا بالغ الاهمية يتصل بالمثقف الاسلامي ودوره المعاصر في هذا الوقت الراهن الممتلئ بالكثير من التحديات التي تواجه الهوية الاسلامية ككيان و ثقافة يحاول البعض تصويرها على انها المثبط الاكبر لركب تطورنا في الشرق وهو خلاف الحقيقة التي صدع بها القران الكريم وما تواتر الينا من احاديث اهل البيت (ع) الحاثة على ضرورة الاستزادة من نمير الحقول الثقافية بما يثري الفرد والمجتمع .. هنا يبرز دور المثقف الاسلامي بديناميكيته التي لو احسن استثمارها بصورة ناجعة لحققنا الكثير ..ورغم المصاعب الاجتماعية والسياسية التي تواجه هذا المثقف فأنه سجل بلا شك قدرا من الحضور . .. المراقب العراقي اذ تنشر الجزء الثالث من هذه الدراسة المهمة تعدكم بنشر المزيد من الملفات المهمة في هذا الحقل المعرفي الكبير …
فى إطار المهام المنوطة بالمثقف الإسلامي ومحورية دوره :
ما أهم مسؤوليات المثقف الإسلامي تجاه قضايا الإرهاب ؟
هذا ما تعالجه الدراسة في المحور الثاني لهذه الدراسة .
انطلاقا من التأصيل النظري لمفهوم المثقف الإسلامي ، وتجسيداً لوظائفه ومهامه في تناول قضايا الواقع ومشكلاته وفق المرجعية الإسلامية ومقاصدها ، وتأسيساً على ما يتمتع به من مكانة تميزه عن غيره من المثقفين المنتمين إلى المدارس المختلفة وتمكنه من تجاوز أغلب الإشكاليات التي يعانون منها ، واتساقا وتكاملاً بين مهامه ومهام كل من الفقيه والمفكر الإسلاميين يضطلع المثقف الإسلامي بمجموعة من المسؤوليات التي تتلاءم والظرف التاريخي الذي تعيشه الأمة في الوقت الراهن .
ولما كانت مسؤوليات المثقف الإسلامي تتزايد بحكم تعدد الطرح الثقافي المعاصر ورؤاه المتباينة ، وتتنوع بتنوع القضايا التي تطالعنا في إطار حركة ثقافية لم يشهدها التاريخ تطال مجمل أبعاد الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية والتربوية مدعومة بإمكانات تقنية ومساندة العديد من القوى والدوائر الخارجية ، فإن حصر هذه المسؤوليات ودراستها دراسة منهجية تفوق إمكانات دراسة كهذه . ومن ثم تسعى الدراسة في هذا المحور إلى تحديد أهم مسؤوليات المثقف الإسلامي تجاه قضايا الإرهاب التكفيري – التي تقض مضاجع العالم أجمع في الآونة الأخيرة ، وتلقي بتبعات على المثقف الإسلامي خصوصاً من منطلق رسالته الإسلامية ومهامه الثقافية – وذلك من خلال تحديد أهم الإشكاليات ذات الصلة بقضايا الإرهاب ، ومسؤولية المثقف الإسلامي تجاهها .
وتتمثل أهم هذه المسؤوليات في معالجة الإشكاليات الآتية :
1 – المصطلح ” مسؤولية المثقف تجاه تحديد مصطلح الإرهاب ” :
من المتفق عليه في أدبيات الثقافة أن المعرفة التي تمثل خلاصة الممارسات العقلية للإنسان تتشكل ضمن أطر ثقافية وحضارية محددة ، وتدخل في علاقة المثاقفة مع أطر ثقافية وحضارية أخرى ، ومن ثم فالمعرفة تنتج أجهزة اصطلاحية على صعيدي التنظير والممارسة ، ويترتب على ذلك نوع من المواءمة حول المصطلحات والمفاهيم بما يتفق والبنية الثقافية من ناحية وشروط حقل المعرفة من ناحية ثانية وحاجات التلقي والاتصال بالثقافات الأخرى من ناحية ثالثة ، وفى هذا السياق تبدو إشكالية المصطلح لكونه أحد المظاهر التي تعبر عن الواقع الراهن للثقافة بصفة عامة .
ويعد مفهوم الإرهاب وما يرتبط به من مصطلحات من أكثر القضايا إثارة للجدل في الأوساط الفكرية والسياسية والإعلامية ، فعلى الرغم من الإجماع على محاربته واقتلاعه من منابعه لا يوجد اتفاق على مضامينه ودلالاته ، وفي هذا تناقض واضح مع ثوابت العلم التي تؤكد أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره .
يؤكد ذلك ما قامت به إحدى الدراسات التي حاولت استطلاع آراء عينة من الخبراء حول مفهوم الإرهاب وتوصلت إلى وجود عناصر مشتركة في تعريف مائة خبير وهي .
الإرهاب هو مفهوم مجرد بلا كنه محدد .
التعريف المفرد لا يمكن أن يحصى الاستخدامات الممكنة للمصطلح .
معنى الإرهاب ينحصر عادةً بين هدف وضحية .
وفي دراسة أخرى توصل أحد الباحثين إلى أن مفهوم الإرهاب يشتمل على أنماط مختلفة للتعريف هي : .
نمط التعريف البسيط والعادي للإرهاب : ويعني عنفاً أو تهديداً يهدف إلى إيجاد خوف أو تغيير سلوكي .
النمط القانوني : ويعني عنفاً إجرامياً ينتهك القانون ويستلزم عقاب الدولة .
التعريف التحليلي للإرهاب : ويعني عوامل سياسية واجتماعية معينة تقف وراء كل سلوك إرهابي .
تعريف رعاية الدولة للإرهاب : ويعني الإرهاب عن طريق جماعات تستخدم عن طريق الدولة للهجوم على دول أخرى .
نمط إرهاب الدولة : ويعني استخدام سلطة الدولة لإرهاب مواطنيها كما هو جار اليوم في البحرين من اجراءات تعسفية ارهابية غاشمة تمارسها السلطة ضد المثقفين والمواطنين المطالبين بالحد الادنى من حقوقهم .
وكان وزراء العدل في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا ومعهم أحد مفوضي الاتحاد الأوروبي قد تناقشوا في موضوع الإرهاب على امتداد يومين عام 2002م وانتهت مناقشاتهم إلى جملة من القرارات العملية ولكن بلا تعريف واضح وقاطع للإرهاب . حصل الشيء نفسه تقريباً من وزراء خارجية ثلاث وخمسين دولة مسلمة التقوا في العاصمة الماليزية خلال الشهر الرابع عام 2002م والسبب لا يعود إلى عدم أهمية التعريف في نظرهم فهم مجمعون على أن التعريف المنشود أمر ضروري وجوهري وحيوي تماماً ليس للمحاجة اللفظية أو التنظير الفلسفي المجرد بل لأنه يستحيل التوصل إلى تفاهم دولي عريض حول خطر هذه الظاهرة ناهيك من التوافق على سبل مجابهتها دون تعريفها تعريفاً دقيقاً ومقبولاً دولياً ، ولا يعود كذلك إلى استحالة الأمر أو تعقد الظاهرة بحيث يصعب معرفة عناصرها أو تحديد صورها ، بل يعود في الحقيقة إلى موقف دولي متردد من هذا الأمر ، إذ عمدت بعض الدول إلى خلط الأوراق ، وجعلت نضال الشعوب من أجل تقرير المصير – في ظل شرعية دولية تقر لهم بحق تقرير المصير والكفاح المسلح – إرهاباً .
وقد وجد الباحث زخماً نظرياً في دراسة مفهوم الإرهاب لا يمكن حصره في حدود هذه الدراسة ، إلا أن الهدف من طرح بعض التعريفات يأتي في سياق تشخيص إشكالية المصطلح ومسؤوليات المثقف الإسلامي تجاهها ، ومن أبرز هذه التعريفات :
عرف مجمع الفقه الإسلامي في بيانه في 10 / 1 / 2001 م الإرهاب بأنه “العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغياً على الإنسان ( دينه ودمه وعقله وماله وعرضه ) ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق ، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردى أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أموالهم للخطر, فكل هذا من صور الفساد في الأرض .
وينسجم مع هذا التعريف في المراد والغاية تعريف مجلس وزراء الداخلية العرب للإرهاب بأنه ” كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردى أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر .
وعرف المفكر توينبي الإرهاب بأنه ” الإقدام على القتل أو التخويف والخطف والتخريب والسلب والترويع بغير سبب مشروع ” .




