” ثغيب” رواية عن أيام العسكرية والقهر الروحي والعيش بين بيوت الجنوب الطينية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد محمود خيون ان رواية الكاتب شوقي كريم “ثغيب” هي رواية عن أيام العسكرية والقهر الروحي والعيش بين الصرائف والبيوت الطينية في الجنوب وفوضى العقل والعاطفة التي تعري الوجه الحيواني للروح الإنسانية.
وقال خيون في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): بعد أن أنهيت قراءتي لرواية(ثغيب ) للمبدع شوقي كريم حسن تذكرت ماله المفكر والكاتب منير ابراهيم تايه في معرض إجابته على سؤال:- ما الكتاب الذي قرأته ومايزال ماثلا في الذاكرة؟!.
وأضاف :يدفع بي السؤال إلى ركام من العناوين والاسماء، لكن عند رواية( الساعة الخامسة والعشرون ) للكاتب الروماني قسطنطين جيور جيو، كونها تدفع إلى الكثير من الأسئلة حول مصير الإنسان المعاصر المنسي في الذل والحروب…ولعل( الساعة الخامسة والعشرون ) أحد أكثر الأعمال السردية الباعثة على أسئلة حول المصير المأساوي للانسان.. فالقراءة ليست فقط غوصا في عالم إفتراضي إنما هي نحت في الصخر بحثا عن القضية التي تقبع في ثنايا الأحداث.
وتابع: كثيرا من الروايات يتلاشى حضورها من الذاكرة بمرور الأيام وتصبح إستعادة أجوائها صعبة…وربما شبه مستحيلة، وقليل منها يدفع الذاكرة بختمه الأبدي، ومن ذلك القليل النادر رواية( الساعة الخامسة والعشرون ) ..ويشير الباحث إلى أن ما يجعل من الأدب جزءا من الحياة، أنه حافظ للتراث موثق للحاضر، وفي نفس الوقت يتوقع المستقبل ويتنبأ بأحداثه، فالادب ليس مجرد قصص رومانسية وتخيلات غير واقعية…في أحداث روايتنا هذه توثيقا لتأريخ لم تكتبه الصور ولم تسجله الأفلام ولا أقلام المؤرخين، لكنه يجوب بنا في قلب أحداث مروعة ويدخلنا في مناطق موغلة السرية والخطورة….تجعلنا ندرك معنى الحياة فوق خطوط النار وفي قلب آتون الموت.
وأشار الى أن هذه الرواية حية، مازالت نابضة كألم عميق، في قلوب كل من عاشوا الحروب ومازالوا لأنها عرت الوجه الحيواني للروح الإنسانية أنها فوضى العقل والعاطفة، والمناهج المضللة والنواميس الجوفاء….ويذكر الكاتب منير تايه بقول الفيلسوف الفرنسي جابريل مارسيل، لا أظن أن من اليسر إيجاد عمل فني أكثر تعبيرا عن الوضع المريع الذي تجد الإنسانية نفسها غارقة فيه اليوم مثل رواية( الساعة الخامسة والعشرون ).
وأستطرد: هكذا إذن ننظر إلى أدب شوقي كريم حسن في كل ما يكتب، فهو كل مرة يسترجع ذلك الواقع المأساوي الذي عاشه بكل ما يحمله قسوة وشغف في العيش وفي كل شيء…وهو الوحيد من الكتاب إستطاع أن يمزج بين أسلوب التداعي( الفلاش باك ) العودة إلى الماضي وبين أسلوب المونولوج والمونتاج، وتلك عملية ليست باليسيرة وتحتاج إلى دراية وحبكة فنية وحرفية ونباهة…فهو يعيد أيام العسكرية والقهر الروحي والعيش بين الصرائف والبيوت الطينية الغافية على ضفاف نهر مدينته في الجنوب…عشقه الخفي الممنوع وخوفه من عيون المخبرين وهي تلاحق خطواته بحذر وريبة…ويمتد ذلك الخوف حتى يشرأب كأفعى داخل نفسه المعذبة والمثقلة بعشرات الأماني الضائعات وحشود من أحلام السنين التي بعثرتها يد الزمان واودعتها في مهب الريح… وهاهي روحه تنحب مثل امرأة مهجورة غادرتها نظرات المعجبين.
وأوضح :وهنا تتجدد عند شوقي حالة الهستيريه والجنون الذي عاشه من قبله مارك توين الأميركي الضائع وزميله همبرت همبرت، فهو في هذا المقطع يناجي ” شكرية ” وكانما يتحدث لها عن نهاية حتمية يراها تلوح في الأفق ويبرهن لها ذلك بالتأكيد ( إذا ما غدرت بي الدنيا كعادتعا دوما…)..وكأنه صار وكيلا رسميا لتلقي مصائب الدنيا بعد أن طوحت به رياحها المسمومة ونالت من كبريائه وشموخه الذي كان يراه يداس بالأقدام عند سواتر ترابية وحشود من الجنود وأكياس التراب وهي تحيط بالخنادق التي صارت ملاذا آمنا للفئران والافاعي والحشرات من كل نوع.
واكمل :لقد فاقت عبقرية الكاتب شوقي كريم حسن كل تصور في رسم ما يريد قوله بفرشة فنان ماهر، يخط لوحاته الزيتية من دموع ودماء الفقراء وسرابيل احلامهم الوردية التي لونها الزمن بذرات الغبار واحاطها بألوان الخيبة والخسران.
وبين :أن مثل هذا التداعي الصريح لرجل ميت أو أنه يحتضر بين يدي( ملك الموت ) لهو دليل واضح لحجم المعاناة النفسية والاختلاجات المكبوتة لدى الكاتب نفسه فأراد لها أن تكون من نصيب أبطال روايته ويعيشوا نفس المعاناة، ويتبين لنا أنه أراد أن يلعب لعبة ماكرة في لصق جميع مشاهد الضيم والقهر بشخوصه الاساسيين( شكرية وجبر ) وترك الخيار للقاريء والدارس والباحث والناقد لأن يتفقوا على رأي محدد لتحديد مسارات الرواية وخفاياها وطريقة كتابتها بمثل هذا الأسلوب الجديد في الكتابة والذي نجح فيه ماركيز في أغلب رواياته.. واوجزت الباحثة والكاتبة( فاطمة الفلاحي ) ..حياة غابرييل خوسيه ماركيز بالقول…من عرفوني وانا في الرابعة من عمري، يقولون أنني كنت شاحبا ومستغرقا في التأمل، وإنني لم أكن اتكلم إلا لاروي هذيانات ولكن حكاياتي في معظمها كانت أحداثا بسيطة من الحياة اليومية اجعلها انا اكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة، لكي يصغي إلي الكبار، وكانت افضل مصادر إلهامي هي الأحاديث التي يتبادلها الكبار أمامي لانهم يظنون أنني لا أفهمها، لكن الأمر كان خلاف ذلك، فقد كنت امتصها مثل اسفنجة وافككها إلى أجزاء، واقلبها لكي أخفي الأصل، وعندها ارويها للأشخاص أنفسهم الذين رووها تتملكهم الحيرة للتوافق الغريب بين ما أقوله وما يفكرون فيه )وانا أرى أن هذا الحال ينطبق على كاتبنا شوقي كريم.



