“سأشتري وجهاً أخر”رواية عن استغلال الإرهابيين للإعلاميين والغدر بهم بعد تنفيذ مآربهم

المراقب العراقي المحرر الثقافي…
ترى الناقدة أنفال كاظم ان رواية “سأشتري وجهاً أخر” للروائية هبة هاشم ترصد استغلال الإرهابيين للإعلاميين والغدر بهم بعد تنفيذ مآربهم .
وقالت أنفال كاظم في قراءة نقدية خصت بها (المراقب العراقي) : ان رواية” سأشتري وجهاً أخر” للروائية هبة هاشم والصادرة عن دار غيداء للنشر والتوزيع،تتناول قضية رأي عام أكثر من كونها قضية شخصية للإعلامي الشاب(عماد يوسف)الذي اعتلى مجد الشهرة بعد سلسلة من المنعطفات والتجارب القاسية التي مربها بإرادته او دون إرادته في ظل الواقع الإعلامي العراقي الذي واجه مخاضاً عسيراً في ٢٠٠٣بعد سقوط بغداد والاحتلال الأمريكي إذ كان الصحفيون والإعلاميون هم أكثر من يدفع ثمن الانفلات الأمني لأنهم يواجهون مهمة خطيرة تستنزف طاقاتهم وحياتهم من اجل الكلمة والمصداقية في أحضان بغداد المتأججة بنيران الحرب الطائفية وصراعاتها الناشبة بين الملائكة والشياطين والضحية هي النفس البشرية التي تحتدم رغباتها بين نوازع الخيروالشر وتوضع امام خيارات صعبة من اجل العيش،فما بين السطوة الأمريكية والويلات التي جاءت بها وسطوة الارهاب القاعدة التي تكفر من تشاء وتعفو عن من تشاء بالدم والسيف يضيع المرء برغباته ويفقد كرامته تدريجياً.
وأضافت :ارتاد عماد يوسف كلية الآداب كان مولعاً بالشعر لكنه لم يفلح بهذا المجال لان الشعر موهبة تنشأ مع الذات وتتبلور مع الزمن،اتيحت له فرصة مناسبة لتقديم برنامج اسبوعي من صديق الطفولة(زياد)كانت هذه انطلاقة مميزة لحياته،رغبته المفرطةبالشهرة تحولت الى كابوس يوم اخطأ بحق نفسه وعائلته ثم أصحابه ولم يسامح نفسه على ذلك(اسوء محنة يمر بها الانسان ان يصعد سلم المجد حتى آخر درجاته ثم يهوي بنفسه من هناك الى أسفل مكان تحت الأرض حيث السباب والشتائم النابية).
وتابعت : ان رحلته التي حطت رحالها في دبي انطلقت من العراق قبل ثمانية سنوات وانتهت بخطة للهروب من كل ما يربطه مع الآخرين والألتحاق برحلات(الباك بكنك)برفقة المغامر(بدراليامي)كانت رحلته حافلة بالخيبات فعلى الصعيد المهني أصبح باختصار شمعة يعلقون عليها خيبات العراق وألصقت به أبشع التهم من اغتصاب واقتطاع أموال وعلاقات مشبوهة بالسياسيين والضلوع بجرائم إنسانية إذ زُج بعملية تصعيد إعلامي زائفة واثارة الرأي العام مستغلين اسمه اللامع من خلال عملية اختطاف لعدد من الإعلاميين والصحفيين مدبرة مع مدير القناة الجشع من جهة ومن جهة أخرى مع مجموعة مسلحة تنفذ العملية بطريقة هدفها استغلال مشاعر ودموع المشاهدين وتعاطفهم لدفع الفدية إزاء حريتهم وبالوقت ذاته اظهار المختطفين بهيئة ابطال قوميين مقابل مبلغ مالي مغري لتوقيع عقود يجهل مضمونها فكانت الحقيقة عكس ذلك فقد تمت العملية بطريقة بشعة وعذبوا من قبل جماعة إرهابية يدعون انهم جماعة لإخراج المحتل (القاعدة) طالبين منه الترويج لهم وتسليط الضوء على نشاطاتهم .
وأشارت الى ان الاختطاف تحول من تمثيلية الى عملية قذرة نصبت كالفخ بذكاء لزيادة الدخل المادي للمؤسسة الإعلامية المنحطة وكنتيجة لهذه العملية احرقوا زملائه وهم احياء امام عينه،بعدها تحول يوسف الى بطل قومي لكنه يعي تماماً بدواخل نفسه انه جشع ولا يستحق ذلك فلم يسامح نفسه على ذلك وكدليل على تورطه في هذه الجريمة وشم كتفه الايسر تفاصيل الاتفاق وأسماء الصحفيين الذين كانوا معه بمساعدة احد الأصدقاء أثناء الاختطاف لغرض إظهار الحقيقة،اما على صعيد الصداقات فهو قد خسر صديقة(زياد) بتصفية حسابات ومكيدة مدبرة لم يكن ليوسف يد فيها،اذ قُدم بحقه ادعاء الى المارينزيشرح تورطه بنقل أسلحة الى قوات المقاومة فألبسوه البزة البرتقالية واودعوه الى احد أقفاص سجن أبوغريب سيئ السمعة ثم الى سجن بوكا اذ ذاق اقسى أنواع العذاب والاهانة و كان ذلك كفيلاً بأن يجعله يضمر الحقد والتفكير بالانتقام.
وأوضحت : ان الرواية مقسمة الى ستة فصول بعناوين كانت كالمفاتيح تعطي مدخلاً مناسباً لكل فصل،الأسلوب تحلى بالسلاسة وامتازت بلغة مُتقنة وسرد اغدقته بالوقفات الوصفية وتلاعبت الروائية بذكاء بعنصرالزمن من خلال تقنيتي الاستباق الذي ظهر بوضوح بنمطيه التقريري والإيحائي اما الاسترجاعات التي اعتمدتها فبعضها كانت خارجية تعود لزمن يتعدى النقطة التي بدأت منها الأحداث وبعضها داخلية تقع ضمن اطار الفسحة الزمنية للاحداث التي سارت بشكل عكسي من النهاية الى البدايةوهذا يفسر لنا نوع الحبكةالتي نهجتها وهي الحبكة المقلوبةا لذي يحرز فيها البطل انتصارات زائفة ويعيش نجاحاً ولكنها في الحقيقة مبنية على الغش فسرعان مايصل البطل الى القمة حتى يهوي الى الحضيض.
وبينت: ان ظاهرة الاغتراب تبسط سلطتها بشكل واضح على هذه الرواية إذ تشرح واقعاً انسانياً ممزقاً بين ذاته والمجتمع قائماً على صراع من التناقضات فتتلاشى الذات الإنسانية وتعجز على عقد علاقات ودية مع نفسها ومع المحيط،فالبطل عاش انفصالاً عن الذات وعن المحيط بسبب انعكاسات سياسية واجتماعية وما تعرض له من تعنيف من الأقارب والمجتمع جعله يتقوقع على ذاته منفصلاً عن واقعه الذي فقد القدرة على تغييره وقرار الهروب مثال أخر على ذلك،فهو يحاول ان يتخلص من ذنوبه ويستعيد كرامته ويحتاج لأرض يبذر فيها روحاً جديدة باحثاً عن مكان يكمن فيه الطهر يغسل فيه أدران روحه المثقلة بالخطايا نبذه المجتمع وبالتالي نبذ ذاته.
وأستطردت :ان النهاية تركت مفتوحة للقارئ بعد انتقام زياد وراما من خلال برنامج تلفزيوني استضافا به يوسف بث على القنوات الفضائية بإعطاء أدلة دامغة على تورطه بالاختطاف وإحراق الصحفيين مع المبالغة في كل شيء بدافع الفضيحة التي وقف أمامها عاجزاً عن درئها لان الحقيقة تكمن في بعض جوانبها.
وختمت : ان الرواية تتمتع بجوانب جمالية وفكرية مُبهرة رغم ان التداخل بين الأحداث المتناوب والمتسارع يشتت ويربك القارئ بعض الشيء وصوت الأنثى الوهمية مجهولة الهوية التي تظهر وتختفي بمثابة ضمير يوسف وانعكاس لنفسيته الذي يذكره بسلبياته وايجابياته ونرجسيته،اما بالنسبة للعنوان فهو كان بمثابة ثيمة للاغتراب الذاتي،اما الغلاف رغم انه لم يكن مغرياً بما فيه الكفاية لكنه أعطى طابعاً لا بأس به يتصل بمضمون الرواية.



