ثقافية

سرد الحكاية وحكاية السرد في رواية «ميلاجرو»

 محمد تحريشي..

 

في روايتها الأخيرة «ميلاجرو» توظف الروائية السورية ريما بالي الفلاش باك للعودة إلى بعض الأحداث للكشف عن جذور الأزمة في بلادها وتعرج على بعض الأحداث المتعلقة بتاريخ سوريا الحديث والمعاصر؛ زمن الانتداب، الاستقلال 1941، الجلاء 1946، والوحدة مع مصر1959/1961.

إن اختيار هذه المحطات التاريخية وغيرها، جاء ليضع القارئ في سياق سياسي وتاريخي وفكري، ليقودنا إلى بعض الأنساق الثقافية المضمرة، وبعض الخطابات المسكوت عنها، التي قد تكون عنصرا من عناصر الأزمة في سوريا». التأثير الفرنسي الذي بثّته البعثات والمدارس والرهبنات، لم ينحسر رغم فكّ الارتباط السياسي والعسكري. وبقيت آثاره العميقة جلية لفترة طويلة من الزمن، خصوصا على العائلات المسيحية في حلب، التي حمّلت أولادها أسماء فرنسية، ودرّبتهم ليحلموا بفرنسا كوطن مشتهى وجنة بعيدة المنال». إن توظيف التاريخي في هذه الرواية جاء ليكشف عن خطاب مسكوت عنه وهو، أن الاستعمار والاحتلال والانتداب هو وجهة لعملة واحدة، حب السيطرة والاستغلال والهيمنة على الشعوب لأطول فترة ممكنة، وهو وإن اضطر للمغادرة، يكون قد استثمر في العنصر البشري حتى يضمن لنفسه وجودا في الزمان والمكان.

رواية «ميلاجرو» تؤرخ لمحنة سوريا من خلال تتبع حياة سيدة مسيحية تنتقل إلى إسبانيا ثم النمسا فإسبانيا، وتقع في حب رجل متزوج فتتزوجه فيكون نتاج هذه العلاقة بنتا يموت والدها قبل مولدها، وكأن هذا البنت هي رمز سوريا الأمل، سوريا بعد الأزمة.

حاولت الرواية أن تحتفظ بمسافة بينها وبين الأطراف الفاعلة في محنة سوريا، وقدمت نفسها على أنها ضحية الحرب؛ ولذا قامت بتسجيل الوقائع وتوثيقها، والتأكيد على أن الأزمة السورية متعددة الأطراف، ولكثير من دول الجوار علاقة بتطور الأحداث.

يقوم بناء الرواية على الانطلاق من لحظة وصول امرأة إلى النمسا وتوجهها إلى مركز تسيير شؤون اللاجئين، ثم تتداخل الوقائع بين الحاضر والماضي لترصد مأساة السوريين في المهجر، ومعاناة طالبي اللجوء للبحث عن وطن غير شرعي.

ان لغة الرواية جاءت مناسبة للسرد والوصف في انسيابية وسلاسة، وكانت تنقل لنا عوالم لغوية متعددة ومتنوعة، من خلال محطات مهمة في الرحلة من سوريا إلى النمسا، وصولا إلى إسبانيا، مرورا باليونان، وصعوبة الرحلة وأهوالها ومخاطرها ومحطاتها المتنوعة لغويا، وهي إن كشفت لنا عن صعوبة المعاملة في النمسا، ورقتها نوعا ما وإنسانيتها في إسبانيا، فإنها في الواقع فضلت أن تجعل الحوار في النمسا، وفي إسبانيا بلغة عربية فصيحة، وكأنها في رأيي تصادر الحضور اللغوي المتعدد، لمّا تحدثت بدلا من شخوصها الأجانب، حرمت الرواية من حضور لغوي آخر مخالف ومتميز لوجود بشري مخالف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى