رهان المصداقية في رواية «لا تنس ما تقول»

أسامة الصغير..
الموُلّه بمنطقة الشاوية، سارد الهوامش والتواريخ المنسية مثلما حملَتها نصوصُه، «رائحة الجنة» «زمن الشاوية» والنص قيد المُدارسة «لا تنس ما تقول» الحائز جائزة المغرب للكتاب دورة 2020 في صنف السرديات. هو الأكاديمي والجامعي النَّهِم إلى تعقّب السرود فهما وتحليلا، هو رئيس ماجستير الدراسات العليا والدكتوراه في كلية الآداب بن مسيك، عضو في الكثير من مؤسسات ومراكز الدراسات والأبحاث. من أعماله النقدية «شعرية الرواية الفانتاستيكية» «الرحلة في الأدب العربي» وغيرها. شعيب حليفي الذي رأى النور في مدينة سطات عام 1964.
هي روايةُ الروح الحائرة بمنطوق المؤلف، عندما يُبئِّر الشخصيةَ المحورية شمس الدين الغنّامي، وهو ما استلزم بناءَ الرواية عبر لَبِناتٍ ومقاطع سردية تجعل القارئ في حيرة فنية من أمره، حيث تتداخل الاستباقات والاستعادات والحوارات الخارجية والداخلية، وتَتْرى أشكال الخطاب المعروض الأخرى مثل، الرسالة والمذكرة والشذرة. إنه سرد على طريقة التقاليد الأمريكية الجديدة، من خلال وصف الأحداث وتقديم الوقائع دونما الإكثار من تعليقاتِ أو تأويلاتِ المؤلِّف المَرجعي، التي قد توجِّه الدلالة وتؤثر في التلقي، تاركا بذلك مساحةَ حضور ومشاركة واسعة يضطلع بها القارئ. هذا الاختيار السردي جعل النص رشيقا قاصدا.
عندما يتسلّم جعفر المسناوي زمام السرد، وهو يحكي لصديقه سعيد الحربيلي تاريخ أيام وأخبار سلالة الحرابلة، أي التغريبة التي امتدّت ثمانية قرون، فإن نفَسه السردي يختلط بالنفَس السردي للسارد الرئيسي، يحدث التداخل وتتمازج الرؤيتان حتى باختلاف الصوتين السرديين، ما يشي بأننا أمام رؤية سردية واحدة بصوتين، هما السارد الرئيسي، المُحيط بشؤون وشجون الشخصيات، وجعفر المسناوي، لاسيما أن الأخير خرّيج شعبة الأدب العربي وموجِّه النقاش الجامعي، وصاحب مكتب تأليفِ وصياغةِ الخطابات، ومبتكر شعارات الحركة الاحتجاجية، بل هو الذي دخل في طقسٍ محموم من الكتابة والتدوين في المشاهد الأخيرة من الرواية. علّه كان طقس تناصٍّ لكتابة هذه الرواية ذاتها! بين ثنيّة وأخرى يُشرِق علينا النص بومضات تأمُّلية وشذرية باهظة، كأنها استراحةٌ من الوصف وصخب السرد، جنوحا إلى الحقائق النورانية السابحة في ملكوت النفس والعالم. إن الجانب العِرْفاني والقوة القدرية تشكل إحدى المِسلَاّت الرئيسية التي تنهض عليها العمارة الجمالية لهذه الرواية، عبر تقنية الوقفات التأملية.



