ثقافية

“المقصف الملكــــي”معاناة الإنسان العراقي المستلب الإرادة في المنافي الاختيارية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد أ. د. عبد الرضـــا عليّ ان رواية “المقصف الملكي” تعالج موضوعة معاناة الانسان العراقي المستلب الارادة في المهاجر والمنافي الاختيارية .

وقال علي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): تعالج رواية قصيّ الشيخ عسكر” المقصف الملكي” موضوعة الإنسان (العراقي) المستلب الارادة  في المهاجر، أو المنافي الاختياريّة التي عاشَ فيها ردحاً من السنوات العجاف، وتحمّلَ خلالها ما تحمّلَ من عنتِ العيشِ،وضنكه، وما رافقهما من قلقٍ وجوديّ، وخوفٍ دائم من مصير مجهول قد يكونُ ذا علاقات ملتبسة في تكريس واقع مأزومٍ يثلم كبرياء الشخصية، ويخدش عزّتها.

واضاف : تتلخّص الرواية في أنَّ مثقّفاً عراقيّاً من أبناء مدينة البصرة في جنوبي العراق يقرّرُ مغادرة وطنه كي لا يُشاركَ في الحرب التي شنّتها الدكتاتوريّة الحاكمة في بغداد على أبناء الشعب الكوردي في كردستان العراق في الثلث الأوّل من عقد السبعينيّات من القرن الماضي، متّخذاً من مدينة بيروت محطّته المهجريّة الأولى في الانطلاق إلى المنافي التي يستطيع أن يتنفّسَ فيها هواء الحريّة، جاعلاً من مقصف بيروتي هو” المقصف الملكي” فضاءً مكانيّاً لمعظم أحداثِ هذه الرواية ومع أنّ هذه الرواية أفادت من فنَّ السيرة الذاتيّة في تسجيلِ أيّامِ بطلِها، إلّا أنها لم تكن روايةً سيرةٍ بالمفهومِ العام، لأنّها ركّزت حصراً على أيّامِ بطلها في بيروت، وأهملت ما عداها، وهذا ما جعلها تنأى عن روايات السيرة التي تُعنى بدقائقِ حياةِ البطل وبنائه النفسي، وتكوينه، ومواقفه، وعلاقاته، وفلسفتهِ في الحياة، وغير ذلك من أمور حيويّة.

وتابع :ما تقدّمه” المقصف الملكي” من سيرةِ بطلها يقعُ في ثلاثةٍ وعشرينَ يوماً من العام 1976م، لكنَّ هذه المذكّرات التي تبدأ في يوم الأربعاء 9/1/1976م، وتنتهي في يوم السبت 14/4 من العامِ نفسهِ تتخللها انقطاعات عديدة، وهذه الانقطاعات هي من المسكوت عنه، أو الحذف المقصود فنيّاً، وقد لجأ إليه قصي عسكر عامداً ليجعل من قارئه الذكي سارداً آخرَ يكمل المحذوف على وفق زاوية قراءته النفسيّة له، فضلاً عن أنَّ هذا المسكوت عنه يُثير في قارئه أسئلة الإبداع الملحّة التي تبحث عن إجابات ٍلها.

وواصل :متى ما تمكّن المبدع من جعلِ متلقِّيه قادراً على تأويل رؤيا السارد، أو لعبته المتخيّلة، فإنه يكون قد حقّقَ هدفه في جعل متخيّله السردي حمّال أوجهٍ في التعليل، لهذا كان الحذفُ تقنية ً زمنيّة ً مقصودة وليست غفلاً عن لحظةٍ من الحدث، وهذا ما قال به بعض النقّاد حين تناولوا مصطلح الحذف في الخطاب السردي²، لهذا يمكننا القول باطمئنان : إنّ خلو مذكّرات السارد من أيّام الخميس(مثلاً) طوال أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ المذكّرات لم يكن إغفالاً بريئاً، إنّما كان إغفالاً مقصوداً (عامداً) جرى عن وعيٍ فنّي مع سبق الإصرار والترصّد.

واوضح :مع أنَّ هذه الرواية قد استثمرت أمكنةً معيّنة في تحريك أحداثها كالمطبعة، وشقة السكن ، والجريدة، وبحر بيروت، وبيت صاحبة الحانة، وغيرها من الفضاءات المكانيّة، إلّا أنَّ المكان الذي تمَّ التركيز عليه في بؤرةِ السردِ كان فضاءَ المقصف، بزبائنه المختلفين(أجناساً وثقافات) ومفرداته المركّبة الصاخبة )من صفقاتِ نخاسةٍ لشراءِ أجسادِ النادلات( وبعوالم المستلبين الذين يشعرون بالرضا المؤقّت فيه، فيؤجّلون جزعهم إلى حينٍ آخر، وما إلى ذلك من أمورٍ أخرى.

واشار الى إنَّ خصوصيّةَ العمل ِ السرديِّ الناجحِ تكمنُ في قدرة الساردِ على جعلِ المتلقّي يرى المكانَ من خللِ الحروفِ، ويشمّ رائحة الأرضِ من خلال غبارها المتصاعدِ على الورق، ويشاهد خضرتها السندسيّة من بصيرة الساردِ المتمكّن التي تلوّنُ لوحاتِ المشهدِ المتحرّكِ، فيعيش الأحداثَ وكأنه شاهدٌ على مجرياتها وعليه، فإنّ ابتداع صرعةِ التخلّي عن المكان في العمل السردي ضربٌ من العبث، أو تهويمٌ في اللاواقع، لذلك قال باشلار: ” إنّ العملَ الأدبيَّ حين يفقد المكان، فهو يفقد خصوصيّته، وبالتالي أصالته.”³ ، فالحبكةُ التي تتلخّصُ في كونها أحداثاً ترتبطُ فيما بينها بأزمنةٍ معيّنة لتؤدّي غرض السرد، أو السارد، لن تكون بغير أمكنةٍ ترتبطُ بالأزمنة ولا تنفصلُ عنها، وهو ارتباط يحقّق وظيفة الزمان والمكان في خلق الوهم لدى القارئ من أنّ ما يقرأه قريب من الواقع،أو جزء منه.

وبين ان راوي “المقصف الملكي” راوي ٌ عليمٌ ،وليسَ موضوعيّاً،وثمّةَ فرقٌ بين الراوي العليم، والراوي الموضوعي، فالعليمُ يعرفُ كلَّ شيء،لأنّه(في الغالب) يكونُ البطل المحوري الذي يروي أحداثاً معيّنة من سيرتهِ الذاتيّة، كاشفاً عن بعضِ ما يختزنه في ذاكرتِهِ من حركةِ الأحداثِ، وعلاقاتها المتشابكة، وما يحمله من تصوّر كاملٍ عن شخصيّات النصِّ السردي، سواءٌ أكان ذلك في البناءِ النفسيّ، أم البناءِ المعرفي الثقافيّ، ناهيكَ عن علاقات تلك الشخصيّات بمحيطِها

الإنسانيّ، وتفاعلها الحركيّ مع مجتمعها المعاش وهذا الراوي يتيحُ لنفسهِ التدخّلَ في كلِّ جزئيّات النصِّ، فقد يحذفُ أحداثاً على حساب أخرى، أو يركّز على صراعٍ دراميٍّ دونَ آخر. ومثلُ هذه الحريّة تنأى به عن دائرة الموضوعيّةِ، وتجعله غير محايد ومع هذا فالمتلقّي الجاد يرتضي ذلك، ويرغبُ في هذه التقنية، ويفضّلها على تقنية الراوي الموضوعي، لكون الأخير يصف الأحداثَ من الخارجِ،ولا يراعي دواخلَ الشخصيّات، أو عوالم لا وعيها، لكونه يُعنى بالسرد الوصفي أكثر من عنايته بالتحليل، ويكون بذلك أقرب إلى الوثائقيّة منه إلى الفنيّة في بنية العمل الإبداعي.

ولفت الى أنَّ هذا الراوي َ َقد تسلّمَ راية الإبلاغ السردي، إلّا أنّه استعان بتقنياتِ :التداعي الحر، والارتجاع، والمناجاة (المونولوج الدرامي) وغيرها، وجعلها تكمّل بعضها بعضاً في تقديم مشاهد اللوحات على نحوٍ من تدفّقٍ صوري، لا يخلو من انسيابيّة جميلة، ممّا يؤكّدُ أنَّ قصي عسكر واحدٌ ممّن يمتلكونَ أدواتِ المتخيّل السردي، وحرفة الكتابة باقتدار متميّز، وهو دليلٌ على أنّ دربته في ممارسة هذا الجنس الأدبي لم تكن قصيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى