ثقافية

“عربة الأمنيات” حكايات مستلة من الواقع مكتوبة بلغة شعرية عن الراحلين دون وداع

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد والروائي علي لفتة سعيد مجموعة (عربة الأمنيات) لفرح تركي هي قصص مستلة من الواقع تحمل صراعا كبير بين الشخصيات ومكتوبة بلغة شعرية عن الراحلين دون وداع.

وقال سعيد في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): تزيح القاصة فرح تركي ستارة رؤية النصوص بكلّ ما فيها منذ البدء حين تضع مقدمة تعريفية ما بعد التقديم وكأنها تريد استباق المتلقي ان ما يقرأه لا يخرج عن هذه المقدمة التي ترتبط بشكل ما في ماهية العنوان وتقشيره (عربة الامنيات) فيكون العنوان مناوئا للمقدمة والعكس صحيح.

 وأضاف :لان المتلقي هنا سيجد في المقدمة محمولا دلاليا لما تريده القاصة من قصديات موزعة على النصوص.. فهي تعطي التبرير بقولها (نغفل عن إدراك ما نحن.. . نتجاهل كثيرًا مما فينا، نتمرد أحيانًا، ونتقاعس أي شيء، ويأخذنا الظن في تكويننا من نحن، وما الذي يوقد فينا الأمل ؟ – نحن مرآة لشغف يسيطر علينا، نتضاعف إلى أشياء كثيرة ونفرح بتفاصيلها . لكن حينما تغدر الخيبة نتكسر بتفاصيلها . نبقى ٠مجرد بقايا) .

واشار الى إن هذه الكلمات قد لا يجد فيها المتلقي مسوغا لأنها أظهرت المدلول وبان الدليل، لكنها ايضا أرادت أن تكون عملية القصد لا تحمل الظنون ولا تبتعد كثيرا، وتعلن رأيها منذ البدء لتوريط العلاقة ما بين التلقّي وما سيكون من تأويل، رغم أن العنوان هو واحد من قصص المجموعة، لكنه يرتبط بالقصص الأخرى بآصرة القصدية التي أرادتها القاصة لتكون بوابة الدخول الى مدينة قصصها التي سيكتشف المتلقّي إن ثمة مقدمة أخرى جاءت على شكل (همسة) وكأنها تريد التأكيد على المقدمة من أنها مجرّد همسة لكنها كانت صرخة قوية لما تريد ايصاله (حين يتناثر الوجع من قلوبنا تعجز الكلمات، ويسكن القلب ميول إلى الانعزال، قد لا يفهمك بشر، ولا تغني عنك زحمة، وكل ما يصدر من ضجيج لا يصل إليك منقطع كما انقطع إحساس العالم بألمك) ولذا فانها تبدأ بقصة العنوان كمدخل قصّ وبوابة عامة.

واوضح :إن اللعبة التدوينية في المجموعة تعتمد على تجميع عناصر الحكاية التي تهتم بها القاصة باعتبارها المنصة الاولى لفكرة القصة خاصة وإن هذه الحكايات مستلة من الواقع، حتى إن الإهداء يوحي بذلك.. يوحي بالوجع والخيبة والأمنية التي تلاحقهم بعربة أن يكونوا معا أو إنه تستخدم حكاياتهم لتوزيع هذا الوجع من أجل الحياة( إلى الأماني المعلّقة. . لأولئك الذين رحلوا دون أن يودّعونا. . ستبقى مصابيح ضياء وذكرى عبقة….) وهو إعلان عن الامنيات حيث الإهداء يتمركز بصورةٍ مباشرة، ولكنه يخفي تحت أبطه المرسل الآخر له، سواء الأم أو الشخصيات القريبة لهالذلك فإن أول المستويات الكتابية يأتي المستوى الإخباري وهو مستوى يقع في أغلب استهلالات القصص، ليس في هذه المجموعة بل في عملية القص، فالإخبار عنصر البداية دائما كونه يوصل عملية الربط بين العنوان والحكاية ومن ثم المعالجة في بث القصدية، وهو الأمر الذي يداخله المستوى التصويري وهو جزء من عملية بث الحكاية حيث يتم وصف ما يحيط بحركة الشخصية أو المكان الذي يتواجد فيه، لإعطاء المعالم ومن ثم الولوج الى المستويات الأخرى تاركة المستويين القصدي والتأويلي يقع على عاتق القارئ الذي لا يجد صعوبةً في مسك الخيوط، كون القاصة لجأت الى اللغة الهادئة البسيطة وإن تداخلت فيها بعض المفردات الأقرب الى الشعر في عملية التلويح بماهية الحكاية سرديا.. بمعنى إن الاستهلال يحمل روح السرد والمخيلة الكتابية.

وواصل : واللغة الشعرية هنا إن صح التقريب هي التي تبدأ بالدخول ما بعد بوابة العنوان وهي استهلالات جمالية تبدأ كمن يطلق تنفسا أو تأفّفا من مأساة واقع لكي تبدأ عملية فرش الحكاية لذا فإن اللعبة هنا هي محاول جعل الحكاية الواقعية على إنها سردية وجعل السرد على إنه مستلّ من الواقع، كون القاصة معنية تماما بإعلان الواقعية في مجمل القصص التي اندرجت في هذه المجموعة، وهي واقعية برزت من تحت ركام العذاب والحياة اليومية لهذ الشاب الباحث عنة فرصة عمل ” فالحيرة بدأت تأكل قلبه قبل التخرج، والخوف أن يبقى بلا تعيين لوظيفة ثابتة، وتضمن له التقاعد” من قصة (عربة الامنيات) أو الزوجة الباحثة عن هدوء (لها زوج، ولكنها تعمل لتعطيه المال ليشتري به) من قصة (بائعة) وكذلك ما يحمل من أمنيات وحلم الابوة” أن يكون طفلاً قَدْر ما يشاء ويلعب…. ويعيش طفولة دائمة” من قصة( فقه القلوب) ونرى الواقعية وما يرتبط بالأمنيات ايضا “هذا ما حصل مع رباب من مواليد بغداد 1972 م لم تتوصل بتعليمها إلى الثانوية، بل تكاسلت وفتر دافعها حين تأزمت الظروف” من قصة (حياة وإملاق) ونرى ان العناوين ايضا هي عناوين واقعية، مما جعلها تلجأ الى وضع كل شيء في ميدان القصة وحكايتها لترتيب أوضاع الشخصية وتبيان تلك العلاقات المأزومة في الواقع، والامنيات المربوطة بحبل الضياع، مبينا: ولهذا نرى إن هناك قصة قصيرة جدا وقصة قصيرة وقصة طويلةـ والتي أغلبها في هذا الاتجاه، كونها تحمل الكثير من الصراع بين الشخصيات والأمنيات وما يرتبط بالمعالجة التدوينية التي تتبناها القاصة، لكي تضع ما تريد وضعه في المكان الذي ترتأيه سواء كانت جملة شعرية أو محمول دلالي بلغةٍ بسيطة أو جملة ترمى مثلا سهمٍ في جسد السرد، لتصيب المستوى القصدي بقوة الاعلان والإشهار عن سببه ووجوده وأهميته.٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى