ثقافية

“مسارات حالمة ” تتناول ظواهر ومفارقات وتناقضات السلوك الاجتماعي العراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد جاسم عاصي ان مجموعة “مسارات حالمة ” للكاتب طالب حميد

هي نصوص هايكو وقصص قصيرة جدا وومضات تتناول ظواهر ومفارقات وتناقضات السلوك الاجتماعي العراقي.

وقال عاصي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي ) ان نصوص القاص طالب حميد، تُحيلنا إلى ما كتبه الحكيم الآشوري (إحيقار) على لسان الحيوانات. وهي نصوص بالغة الدقة والتركيز والاختزال والكثافة في السرد فالاقتصاد بلغة السرد يعني الإمساك بالمعنى بأقل المفردات وهذا يتطلب اليقظة في ممارسة فعل السرد، وعدم الذهاب في النص باتجاه الإنشاء والزيادة في اللغة.

وأضاف: لعل التنوّع الذي اختاره المؤلف لكتابه كمحتوى، يتشكل من أجناس ثلاثة غير متباعدة عن بعض، يعني قدرة الكاتب على احتواء مكونات هذه الأجناس، كما يدل بالمعطى العام تماسك هذه العلاقة التي مبعثها تلازم النصوص (القصة القصيرة جداً/الهايكو/ومضات) في إطار تعبيري محكوم بالكثافة والتركيز أصلاً. لذا نجد المقاربة واردة بينها. لذا ستكون قراءتنا للنصوص ضمن اختصاص العنونة حصرا وليس اختلاف بعضها عن بعض.

وتابع : ان نصوص حميد تلازم التنوّع والنظرات الشاملة التي تختزل السرد والوصف، من باب الحذر والاحتراز من الوقوع خارج منطقة الدهشة المطلوبة من أداء النص. ونقصد بالدهشة ما تخلفه الضربة المحكمة، التي هي رسالة النص. يكون اعتماده في صياغة نصه على جملة خصائص تتعلق بكتابة مثل هذه الأجناس. وهي خصائص عامّة، غير أن التميّز هنا يتعلق بذات المكوّن للنص. بمعنى الهوية السردية التي نفترضها في النصوص، وفي نصوص الكتاب هذا. فالتركيز سمة واضحة في الكتابة، بمعنى الحرص على عدم الوقوع في إنشاء اللغة، لأن لغة السرد تكون خارج وداخل بنية الكتابة (اللغة)، غير أنها تغادر تفاصيلها وتعقيداتها البلاغية والتركيبة النحوية.

وأشار الى ان لغة (القص، الشعر) هنا متجانسة مع الرسالة التي أخذ بها القاص، عبر التركيز ومغادرة الإباحة الواسعة في التعبير بكل شيء غير ملزم، ما يفقد النص وحدته المتماسكة، فالتركيز هنا وحدة متحكمة ورئيسية وأساسية. أما الكثافة، فنقصد بها كثافة بنية اللغة والمضمون المراد توصيله من خلال النص. الكثافة تعني الاختزال في اللغة الواصفة، والمعنى الذي تشهد له الصوّر اليومية والأحداث صغُرت أم كبرت.

وأستطرد: أما في ما يخص المعنى، فإن الكاتب عمد واعتمد على الإمساك بتجربته في رؤية المشاهد، فهو صاحب رسالة ومهمة اجتماعية، ورؤى فلسفية للواقع، لذا كانت رسالته في الاعتماد على تنوّع المضامين والصوّر الحياتية خير ما يمنح نصوصه العمق والشمولية في الاختيار النابع من المعايشة. ولعل أهم ركيزة ومكوّن بارز في النصوص، هو الضربة التي توحي بالهدف والغرض من كتابة النص. وفي هذا تعددت الأغراض، وساحت في حقول كثيرة تلتزم قوة النقد الموضوعي، الذي يقدمه القاص كرسالة. وقد ولّد هذا المكون في نظرنا جملة أغراض منها المقارنة والمقاربة بين المشاهد والأحداث، وبالتالي ولّد نوعاً من تجسيد المفارقة التي تهدف إلى تشريح الواقع بأقصر جملة تعبير في اللغة والسرد. ولنا في هذه المكونات والخصائص عيّنات من هذه النصوص، نورد منها:

في نص «مولود» القائل «بعد انتظار طويل ومراجعات لعدد من الأطباء استبشرت السيدة أخيراً بما قاله الطبيب، فهي الآن حامل في شهرها الأول. كانت الفرحة عظيمة، ليس لها فحسب، وإنما لزوجها الذي انتظر هذا اليوم سنين. لقد كبرت الفرحة بعد مرور أشهر، حيث ظهر أن المولود سيكون ذكراً. وهذا ما كان يطمح إليه الوالدان. بعد مرور تسعة أشهر حانت ساعة الولادة وتم نقل السيدة إلى المستشفى. اجتمع الأهل لسماع الخبر السار. بعد مرور عدة ساعات خرج الطبيب يعلن للأسف.. لقد ولد الطفل ميتاً».

وأوضح :تميّز شعر الهايكو كما أكدت الدراسات والترجمات للنصوص، على أنه نص موجز العبارة واسع الدلالة. وأرى أن الشاعر طالب، التزم شروط هذا المنحى في كتابة الشعر. كما أنه كان أكثر إيجازاً من كتابة القصة وللنظر إلى الكيفية التي أدار بها القاص موضوعه، وما هي الدلالات الصغرى والكبرى، وماذا حصل من تركيز وكثافة.

 وبين :أما نص «الوهم» فيقول: «عصفور في قفص، يحلم بالخروج لفضاء اشرأبت له الأعناق طويلاً. وحين سنحت له فرصة بامتلاك الحرية التي تمناها كثيراً، أدرك أن فرحه بعالمه الجديد لن يدوم طويلاً. إن حياة القفص أشد رحمة من عبث الحرية».

وختم :ان الدلالة السياسية والوجودية واضحة ، وهذا يسري على كل النصوص؛ كونها تتناول الظواهر والسلوك الاجتماعي، بما فيه من مفارقات وتناقضات، وعلامات تُشير إلى نوع من الصراع الاجتماعي، وتشخص التردي الحاصل في المنظومة بشكل عام، أي أن النصوص ملتزمة بهموم إنسانية كبيرة تعالجها بإيجاز متناه، في تشكيل النصوص، والكثافة اللغوية والسرد. كما تقف في الصف الأمامي من كتابات الرواد العراقيين والعرب في هذا المضمار من الكتابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى