«عينان خضراوان» هاربة من جحيم الحرب تقع في الأسر !

المراقب العراقي/ متابعة…
تتركب اللعبة السردية في رواية حامد الناظر الجديدة «عينان خضراوان» من ثلاث طبقات، تفضي إحداهما إلى الأخرى في ما يشبه الحتمية، أو القدرية الطاغية التي لا فكاك منها. كل الأحداث تؤدي بعرفة بطلة القصة إلى المصير الذي انتهت إليه، ولا تملك حتما وأنت تقرأ تفاصيل حكايتها إلا أن تتعاطف معها، رغم أن ما أقدمت عليه يمثل في الذهنية العامة، وفي المرجعية التي تصدر عنها أنت نفسك كبيرة بلا مغفرة.
وعرفة، بطلة لأنها تشبه أبطال المآسي الإغريقية، امرأة تغادر مع والدها «وادي العقيق» بعد فقدان والدتها هاربة من جحيم الحرب، لتقع على بعد كيلومترات قليلة في الأسر وتبدأ رحلتها الصعبة مع الانتهاك في مواجهة قاسية للعالم، الذي يتضاءل حتى يصبح بالكاد بضعة وحوش ترتدي ثياباً آدمية، وتتقلص إزاءهم إنسانيتها لتصبح شيئاً للمتعة العابرة والاغتصاب المهين. رحلة من وادي العقيق إلى بورتسودان عبر تضاريس الحرب التي لا تميز بين البشر، والتي يصبح فيها القتل لعبة لاسترداد الأنفاس واستعادة بعض من الكرامة والانسجام مع الذات، ويصير ضرورة للاستمرار والحياة. وفي كل هذا لم تكن عرفة إلا منقادة لمصير أجوف، ونهاية مجهولة وغد بلا أفق. وفي اللحظة التي اختارت فيها لنفسها وحققت إرادتها وجدت نفسها تواجه حكم الإعدام، في مجتمع لا يعترف بالإرادة الحرة ولا بحق تقرير المصير.
ولئن اختار الكاتب تفكيك زمن القصة إلى خطين سرديين، فإنه في النهاية يصف عالماً واحداً، فالخط الأول يسرد ما وقع من أحداث لعرفة في معسكرات الأسر، بينما ينطلق الخطّ الثاني من لحظة وصولها إلى المدينة ولقائها برحمة، التي ستنتشلها من براثن الضياع، وستضعها على أول الطريق المفضي إلى الطمأنينة والقرار. لكن إذا نظرت ملياً فلا فرق بين معسكر الحرب ومدينة السلم، فالمرأة في هذا العالم أسيرة، أسيرة حرب وأسيرة فكر ومجتمع.
الطبقة الأولى حينئذ هي رواية الحرب، ونحن هنا بصدد قراءة تجربة سردية تماثل الكثير من نظيراتها في عالم السرد، حيث تمثل الحرب ثيمة مركزية لاحتوائها على عناصر الصراع الضرورية لأي مأساة. والحرب هي الحرب، أينما كانت، تماماً كما هي حرب تحرير أنغولا في رواية جوزيه أغوالوسا «نظرية عامة للنسيان» أو غزو الكويت في «فئران أمي حصّة» لسعود السنعوسي، أو حرب تحرير الجزائر في روايات الحبيب السايح، وغيرها من روايات الحروب. ولا تخرج الحرب في هذه الرواية عن كونها سياقاً تاريخياً مجرداً، إلا في حوار عرفة مع الضابط الغامض في المشهد الحادي والعشرين، الذي كان مداره فلسفة الصراع، وهي شخصية يمتزج فيها الجنون بالحكمة (هل خطر لك أبدا أن الرب خلق جدنا آدم في يوم مغبر كهذا؟ وأنه نزل إلى الأرض كي يقاتل؟ كان جيشه مؤلفاً منه ومن جدتنا حواء وقطيع من الكلاب) وتفضي هذه الفلسفة إلى وجهة نظر خلاصة عبر ما يسميه (ميثاق النباح) أساسها أن «الحرب لا تجلب الموت، بل تخلق للحياة معنى جديداً في كل مرة، عندما يتواطأ المتحاربون على سيادة قانون خاص له أخلاقه الخاصة».



