ثقافية

«المسرح في الوطن العربي» محاولات الرواد كانت انبهارا بالغرب

المراقب العراقي/ متابعة…

في عام 1847، كان للمجتمع العربي موعد مع أول عرض مسرحي قدمه التاجر البيروتي مارون نقاش (1817 ـ 1855) في مسرحيته الأولى «البخيل» التي قدمها في منزله في إحدى ضواحي لبنان، أمام عدد من الأعيان والأسياد، وقام بالتمثيل عدد من أفراد عائلته، وقد جمعت مسرحيته أطرافا من الشعر والغناء والنثر، متأثرا بالمسرح الأوروبي الذي شاهده في تطوافه في العديد من المدن الأوروبية، حيث أشار إلى وجود شكلين من المسرح الغربي: المسرح النثري، والمسرح الأوبرالي، وقد اختار أن يقدم الشكل الثاني، على أمل أن يتقبله الجمهور العربي، وكما يقول في مذكراته: «لقد عاينت عندهم (الأوروبيين) فيما بين الوسايط والمنافع، التي من شأنها تهذيب الطبايع؛ مرسحا يلعبون فيها ألعابا غريبة، ويقصون فيها قصصا عجيبة… ظاهرها مجاز ومزاح، وباطنها حقيقة وصلاح…

سعى مارون نقاش بإحساسه كمؤسس لهذا الفن في المجتمع العربي على مراعاة ذائقة متفرجيه، وخشيته من ردة فعلهم، وهم يرون لأول مرة شكلا فنيا لم يألفوه من قبل،

فمارون النقاش كان واعيا لأهمية المسرح التثقيفية والتهذيبية، وأنه – وفق منظوره – علامة على تقدم الأمم وتحضرها، ويقيس على ذلك بالأمم الأوروبية، التي زار عواصمها ومدنها، ورأى كيف أنهم مهتمون بالفنون المرئية والمسموعة.

وإن كان علي الراعي في كتابه «المسرح في الوطن العربي» يدين هذا التوجه كله، ويرى أن محاولات الرواد، كانت متأثرة بحالة الانبهار بالمدنية الغربية وحضارتها، وسيطرت عليهم جميعا فكرة واضحة قوية هي، أن الفن المنقول إلى بلادهم العربية هو الشكل المسرحي الوحيد الذي عرفته البشرية، وهو شكل راق، وباعث على التمدن والإصلاح ومعترف به في أوروبا، التي أبهرت مثقفي العرب في القرن التاسع عشر بفنونها، وأنهم لو تمعنوا قليلا في تراثنا المسرحي التمثيلي، وأن هذا الشكل موجود بينهم، وهو قابل للتطوير وقادر على الخدمة، ولكن حماسة هؤلاء الرواد في جعل الشرق قطعة من الغرب المتمدن، كانت وراء رغبتهم في استنبات هذا الشكل المبهر غربيا. ونرى أن هذا الرأي صحيح بدرجة محدودة، فهناك بالفعل تراث تمثيلي موجود بين ظهراني الرواد، ولكنه كان مقدما للعامة والبسطاء، ومختلط بالفنون الشعبية المختلفة التي تقدم في مناسبات عديدة، مثل الأعراس والموالد والاحتفالات الشعبية، وإن خالطتها بعض التمثيليات البسيطة، ومكان تقديمها الشارع أو الميادين أو الساحات أو أفنية القصور، ويغلب عليها الضحك والترفيه، فمن الصعب تطوير هذا اللون الشعبي، بدون خوض تجربة المسرح الغربي، فنا وأداء وفكرا، حتى تستوي التجربة في أذهان مبدعيه، ويستقر الشكل جماهيريا، ومن ثم يكون التطوير المأمول للتراث المسرحي، فلا مجال للإدانة هنا، لأن فكرة التحيز للمتلقي العربي كانت حاضرة لدى الرواد جميعا، حرصا منهم على نجاح التجربة وانتشار الفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى