ثقافية

« نظرية الفوضى » الانتقال من الانغلاق في الأجزاء إلى الانفتاح على النظم الكلية

المراقب العراقي/ متابعة…

المتتبع لخريطة كتاب «نظرية الفوضى ـ علم اللامتوقع» ترجمة أحمد مغربي، يجد محورين يشكلان الكتاب، الأول سيرة مختصرة لهولاء العلماء وصفاتهم المتفردة مثل أدوارد لورانس، وميتشل فايينبوم، وماندلبروت، وغيرهم ممن كانت إسهاماتهم مفصلية في تشكل هذا العلم، والثاني سيرة السؤال الذي كانوا يبحثون عنه ورحلة الإجابة على مدار سنوات. فأتت نظرية الفوضى في ميلاد مترابط على مساحة جغرافية ممتدة، وخلفيات علمية مختلفة، يجمعها طرح الأسئلة عن تلك الظواهر في نطاقات متعددة، وجاءت الإجابة شيئا فشيئا كأحجية البازل، وتكاملت في نموذج كامل يصف تلك الظاهرة في رحلة شاقة ومشوقة من الأسئلة والبحث والإجابات، التي جمعها رابط خفي، فأثمر لاحقا نظرية الفوضى أو علم اللامتوقع، التي يتصل تكونها بفكرة الثورة العلمية التي نظّر لها المفكر الأمريكي توماس كون (1922 ـ 1996) باعتبارها «الانتقال من نموذج علمى جذري إلى آخر مغاير له كليا» ويؤكد عليه غليك بظهور علم جديد من قلب آخر وصل إلى نهاية مسدودة، يمتلك القدرة على عبور التقسيمات بين الاختصاصات العلمية، وغالبا ما تأتي على يد أشخاص يصعب إدراجهم في اختصاص محدد، فتغير العالم يأتي تباعا لتغير البراديغم، ويجد في القديم أشياء جديدة ومختلفة، ويقوم ذلك المفهوم حائط صد أمام فكرة أن التقدم العلمي يحدث عبر تراكم المعرفة.

 

 

فنلاحظ تقاطع التخصصات في نظرية الفوضى، والانتقال من الانغلاق في الأجزاء إلى الانفتاح على النظم الكلية، فنجد عبورا من مأزق أصحاب الكهف إلى التكامل الممتد والمترابط والمتجدد عبر الزمن، ما دفع جيمس غليك إلى وضعها في منطقة وسط على خريطة النظريات العلمية، بين النسبية ونظرية الكم، ويحدد نطاقها بالعمل في ظواهر على مقياس الإنسان، حيث تتأمل في التجارب اليومية والعادية للبشر والعالم كما يعرفه الإنسان بالبداهة والحدس المباشرين، وهو الانتقال الذي يشبه التحرك من قطرة ماء إلى التيارات والأعاصير، فلا يعني أن تعرف المكونات الصغيرة لشيء ما وتمسك بقوانينه الصغيرة، أنك تستطيع أن تفسر تمظهراته الكبرى، فنشاهد في علم اللامتوقع مداً للجسور بين الشيء المفرد، والكلي المتألف من مجموعات ذلك الشيء عينه، وفيه معنى يتعالق مع قول الرحباني «مُختَزنٌ سرُّك فيّ كما في الرملة تُختزن الصحراء».

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى