العباءة النجفية… ما زالت في المقدمة

تقول المستشرقة الانجليزية الليدي دراور في كتابها (في بلاد وادي الرافدين) ترجمة فؤاد جميل/بغداد/1961 ص72: (يشتهر اهل النجف بصناعة العبي الحريرية ذات الخيط الازرق الذي يخاط على جوانبها ومعه الذهب والفضة وهذا الخيط حسب مفاهيم اهل النجف يقي من العين الشريرة) او يقي شر الحسد ، ولم تذكر السيدة (دراور) اسم هذه العباءة، هل هي (بشت) ام( خاجية) ام عباءة وحسب؟ فثمة اسماء كثيرة لها تختلف باختلاف خيوط نسيجها والوانها وطرق خياطتها وتطريزها وموسمها ومنشئها.
والعباءة من ألبسة متوسطي الحال في عموم العراق ومع ذلك تفنن السراة والاثرياء في طرق خياطتها ونسجها وتطريزها فاستخدموا الحرير والقطن والصوف والوبر وطرزوها بالذهب والفضة واضافوا لها الجواهر، كل حسب مقدرته ورغبته.
وفي كتاب( قاموس الاسلام) لتوماس باتريك الصادر في لندن عام 1935 ص96 يذكر ان شيوخ قبيلة عنزة القاطنين شمال العراق كانوا يستوردون عباءات سوداً مزركشة بخيوط الذهب من مدينة النجف وان قيمة الواحدة منها تزيد على (عشر) ليرات استرلينية (ويذكر ان مهر امرأة من احدى العوائل الثرية في الكاظمية لم يكن يزيد على 3 ليرات استرلينية ، كما جاء في عقد نكاحها الصادر عن المحكمة الشرعية في الكاظمية عام 1932) وربما عدّ هذا الرقم في حينها رقماً قياسياً للمهور لنفهم من ذلك كم هي قّيّمة وغالية تلك العباءة النجفية.
ويقول الرحالة فريزر في كتابه كردستان العراق “ان الاكراد كانوا يرتدون فوق حللهم نوعاً من العباءات المنسوجة من وبر اسود او ابيض مخطط بخيوط داكنة او بيض”.
ويذكر احد باعة العباءة في النجف الاشرف: ان الاكراد ما زالوا حتى اليوم يقدمون الى النجف لشراء عباءة الوبر الطبيعي التي لاتزال المدينة تصنعها يدوياً برغم ظهور العديد من المعامل التي تستخدم الآلات مثل معمل شنون النجفي.
اما المسيحيون في العراق فعباءتهم المحببة هي (الشاليه) وهي رقيقة الخيوط بالوان فاتحة ويتفنن النجفيون في صناعتها ويطلقون عليها اسم (البشت) تبعاً للونها والبشت تسمية يطلقها النجفيون على العباءة ذات اللون الاحمر الفاتح والذهبي والشكري والابيض وبعضهم يدعوها (الخاجية) وهي لفظ محلي محرف عن (الخاكية) والخاك كلمة فارسية تعني التراب والتشبيه المستعار الذي اصبح تسمية ناجم عن اللون كما نرى.
ويقول احد خياطي العباءة في النجف الاشرف ، ان عدداً من اغنياء العاصمة والمحافظات الاخرى مازالوا حتى هذا اليوم يطلبون منه تطريز ياخة وحواف عباءات الحَبَر الحريرية بخيوط الذهب.
والعباءة الحبر تنسج من خيوط الحرير الطبيعي وتتخذ لها خيوط ملونة باللون الازرق لتميزها عن سواها. وتطرز بالكلبدون او خيوط الذهب او خيوط الحرير ذاتها بالوان مختلفة ويسمى تطريزها (التحرير) وتعد ملكة متوجة في عالم العباءة ويقول الدكتور وليد محمود الجادر في كتابه “الازياء الشعبية في العراق” الصادر عام 1979 ص69: ان حياكة العباءة من الصوف ومن خيوط الحرير وتلوين بعض الخيوط في اللحمة و السداة باللون الاصفر هي التي تسمى بالعباءة (البشهرية) ويكون تحريرها بخيوط البريسم وقسم منها بخيوط الكلبدون وقد سمي هذا التحرير في الحافة العليا من البعض بالاصطلاح (الجاسبي)، وان البشهرية ، تسمية جاءت من منشأ العباءة( مدينة بوشهر) الايرانية ،وهي من النوع الذي كان يفضله امراء بني كعب وان الشيخ خزعل الامير الاخير لها كان يرتدي واحدة من البشهرية (الجاسبي) ،التي هي وصيفة الحبر بلا منازع، عندما ساقه شاه ايران رضا بهلوي الى السجن بعدما استدعاه الى طهران ضيفاً.
اما العباءة المسماة “روح الحياة” فلا روح لها اليوم بعد ان استبدل الحرير الطبيعي من نسيجها بالحرير الصناعي والبولستر المنسوج في اليابان وسوريا.
وهناك السعدونية وهي عباءة مخططة بخطوط عريضة بيض وسود وشعرية واختصت بها عشائر السعدون في جنوب العراق، كذلك البريسمية والاطلس الحرير والكزية او القزية والمزوية والبتية والاخيرة كان يبرع بصناعتها يهود بغداد وتعلمها منهم الاكراد الفيلية ،ومازالت في بغداد منطقة تنسب للعاملين بصناعتها هي البتاويين،والتي كانت تكثر فيها حفر الحاكة المسماة (الجوم) ومفردها (جومة) كما كانت لفظة البشاكر وهي كلمة فارسية تعني الاجير تطلق على الحاكة الاكراد الذين كانوا يعملون لدى الاسطوات اليهود.
وهناك تسميات اخر كثيرة للعباءة تختلف باختلاف المناطق الجغرافية وهوية سكانها وعاداتها ومناخها وقد ذكرنا اهمها واكثرها شيوعاً .




