الواقع الثقافي لا يختلف عن الواقع السياسي وعلينا تحفيز الناس على القراءة

المراقب العراقي / القسم الثقافي…
بدأ شاعرا منذ ثمانينيات اقرن الماضي ليكون عضوا في إتحاد الأدباء بعد أن نشر قصائد ومقالات ودراسات في مجلات عراقية وعربية وأجنبية.. له تجربة فريدة في العراق في تهذيب وتشذيب الموروث الشعبي وتحويله إلى موروثٍ هادفٍ نشر على أساسه ثلاث مجموعات شعرية للأطفال.. وهذه التجربة قادته لإصدار مجموعة شعرية بعنوان (الفرح القروي) مثلما صدرتْ له مجموعة شعرية بعنوان (ما قالته السيّدة المراهقة) عام 2016م ، له مجموعة شعرية أخرى في طريقها للنشر تحت عنوان ( اِنتباه غزالة )، صدرت له رواية بعنوان ( أرابخا ) نهاية عام 2017م ، وصدرت له مجموعة شعرية بعنوان ( بائع الملح ) عام 2019م ، عمل في المجال الإذاعي كمقدم ومعد لبرامج الأطفال.
حاوره الروائي علي لفتة سعيد لصالح (المراقب العراقي) وخرجنا بهذه المحصلة:
* ما الذي جاء بك إلى الأبداع؟
– الأبداع عملية تراكمية لا تنشأ من فراغ ولا تتوقف على قدرات المبدع، وهي نتاج تفاعل مع الآخرين، إن نهم المعرفة وحب الاستطلاع والغور في تجارب المبدعين يحتم عليك سلك طريق التخييل والابتكار، وهذا ما جعلني أعيش تجربتي بصدق وإخلاص، وما هي إلَّا مبادرة للنظر إلى المألوف بطريقة أو من زاوية غير مألوفة ليتسنّى لي رصدها وتطويرها بشكل يجعلها أكثر دهشة وبريقا
* كيف ترى الواقع الثقافي وأين تضع نفسك فيه؟
– لا يختلف الواقع الثقافي عن الواقع السياسي في دول العالم الثالث، ونحن جزء من هذه البيئة التي نعيشها وهذه الحكومات التي يتوارث بعضها البعض فهو واقع حرج ومتأزم يعيشه المثقف، على الرغم من أن العراق يختلف في محيطه الخارجي الدولي عن غيره لتعدد الثقافات والقوميات والطوائف والأحزاب
لا أستطيع أن أضع نفسي في مكان ما لم يضعني الآخرون فيه، ثمة ثقافة ذوقيّة ونقدية مجتمعية تحدد المساحة التي تهبني إيّاها وهذا مرتبط بما أكتبه
* ما بين الأجناس الأدبية ثمة فوارق محسوسة .. هل يمكن أن تكون هي وحدها القادرة على تمييز هذا الجنس عن غيره؟
– كان الأدب العربي قائما على الشعر، إذ إنّه أدب شعري كان أساسه الوزن والقافية، ثم شهد الشعر تطورا جديدا، فظهرت قصيدة الشعر الحر ثم قصيدة النثر، وكما تنوّعت القصيدة، فقد تنوّع النثر هو الآخر وتطوّر بفعل عدة عوامل؛ فكانت المقالة والمسرحيّة والرواية والقصة، فهذه الأجناس قد تطوّرت وجاءت من أجناس أخرى عن طريق القلب أو الزخرفة أو التوليف كما ادّعى (تودوروف) في هذا المجال، وثمة أجناس اختفت، حيث كانت موجودة في العصور الماضية؛ منها أدب الرحلات، لذا قامت عدة دول بالتشجيع على إحيائه وكتابته ومنح جوائز لكاتبيه
* نتاجك الثقافي هل يحمل رسالة إبداعية أو إنه إخراج مخزون الموهبة التي وجدت نفسك فيها؟
– نحن الذين نمارس الكتابة نحمل بين طيّات سطورنا رسالة واضحة يساورها الالتفاف لتتخطّى التأويل خوفا من الرقيب المتعصّب لكشف رموزها وإدراجها ضمن قوائم إشكالاته ، فأنا غامض حدَّ الوضوح، وواضح حدَّ السذاجة ، فمن أساء فهمي صار عرضة للاعتراض ومراجعة ما فاته ، لا أقبل النزاع، لكنني مشترك فيه منذ زمن بعيد، والقول إن الأدباء دائما هم قادرون على الفصل في النزاع على تفسير نتاجهم الخاص ، لا يمكن أن يكون استجابة لإخراج مخزون ما لم يكن هناك رسالة، فقد كتب (ايليوت) ذات مرة قائلا ( قد يختلف تفسير القارئ عن تفسير المؤلف، ويكون كذلك سديدا وقد يكون أفضل ) لا أقول هذا بدهاء، لكنني ألمح القارئ إن كان رقيبا متعصبا أم قارئا ذواقا ، فالنص الإبداعي للقارئ الحذق.
* كيف ترى عملية التلقي اليوم أمام تحديات التقنيات الحديثة؟
– قبل أن أجيب على هذا أحبّ أن أذكر إنّ العالم يحتفل في يوم 23 نيسان من كل عام باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وهذا الاحتفال أقرّه المجتمع الدولي وَعْيًا بأهميّة القراءة واعترافا بقيمة الكتاب، لأنّه أقوى الوسائل التي ساعدت على نشر المعرفة، فمن هنا أقول إننا في مجتمع تراجعت فيه نسب أعداد القرّاء بعد أن كان العراق في مقدمة المجتمع العربي في هذا المجال، وهذا مرتبط بالجانب السياسي والاقتصادي، فبعد المنافسة التكنولوجيّة ضمن الوسائل الحديثة ازداد الإقبال على وسائل الترفيه وشبكات المعلومات الرقميّة والأجهزة الحديثة المرئيّة والمسموعة، وقد أثبتت تلك الوسائل أنها قادرة على التأثير في حياة الشعوب لكنّها ليست بشكل مطلق وفي جوانب محددة، لذا وجب علينا تحفيز الناس من خلال الفعاليّات والأنشطة الثقافيّة على القراءة، ورغم ذلك يبقى الكتاب الورقي هوس الكثير من القرّاء والمثقّفين لما له من متعة الاقتناء والقراءة
* في كتاباتك ثمّة جنوح مرّة نحو التاريخ ومرّة نحو الواقع .. هل تقودك الفكرة أو الحكاية إلى هذا المضمار
– إنّ كلّ الروايات تاريخيّة بمعنى أو بآخر ، فللرواية علاقة خاصة بالتاريخ، لأنّ التاريخ بحد ذاته واقع مسجّل في فترة زمنيّة ما، فإن كان التاريخ بعيدا صنّفت بالرواية التاريخيّة وأخذت الأحداث سردا جوهريًّا وفقدت من قيمتها الإبداعية، تقول (فرجيينا وولف) إنّ الرواية التاريخيّة في القرن التاسع عشر تفتقد إلى الابتكار، وتركز على الأشياء التافهة وغير الأساسيّة ، بينما كان يجب أن تركز على إشكاليّة التجربة الإنسانية والمعرفة ، ومن هنا تجنب كتّاب الرواية التاريخيّة الجديدة هذا الإطار، وبدؤوا يكتبون بشكل آخر يعكس وعيا مغايرا في التعامل مع الماضي ، تقول (هتشون) عن الرواية التاريخيّة ما بعد الحداثة ( الرواية التاريخيّة ليست مرآة الحقيقة ) لذا توجّب علينا أن ندرك ذلك ونقوم بخلق شخصيّات غير موجودة في الواقع التاريخي تقودنا لأحداث نبتكرها ونصدقها قبل أن يصدقها القارئ .
* خلال فترة وجيزة أصدرت روايتين، هل هناك انسياق إلى الرواية بِعدِّها ديوان العصر؟
– في الزمن السابق كان الشعر ديوان العرب، ولكن في العصور الحديثة أصبحت الرواية ديوانهم الأوّل؛ لأنّها أصبحت تستوعب طموحاتهم وآراءهم، وتفصح عن أحوالهم، وقد تجرأ الكثير بالغور في المنطقة المسكوت عنها والحفر في طيّات أرضها.



