«الهامش» رواية عن احتلال العراق وما تلاه من فوضى عارمة

موسى إبراهيم أبو رياش..
يقول الروائي العراقي وارد بدر السالم: «إن النص الروائي في سردياته المتعددة هو سرد معرفي، وهذه المعرفة هي تراكمات زمنية دائرية؛ اجتماعية وسياسية وتجاربية ونفسية مجتمعة، وإن إنتاج النص بالضرورة هو إنتاج للمعرفة، تخلصت من حدود الفرد إلى العام الاجتماعي والإنساني». ولذا فإن رواية لا تشكل قيمة مضافة للمعرفة لا يُعتد بها، وليس شرطًا أن تكون المعرفة معلومات وعلومًا، فاللغة الجميلة، والجمال السردي، والحبكة المتقنة، وكل إضافة جديدة للقارئ معرفة.
وقد جاءت رواية «الهامش» لخالد سامح، نصًا معرفيًا وازنًا، لم تشطح في الخيال، بل نسجت خيوطها من الواقع بمهارة وإتقان، هذا الواقع المترع بالحكايات التي تستفز أي مبدع أن يغوص فيه، ويكتب عنه؛ ففيه ما هو أكثر خيالًا من الخيال، وأكثر سوداوية من أي ديستوبيا.
تستدعي الرواية للكتابة حول زوايا كثيرة فيها:احتلال بغداد وما تلاه من فوضى عارمة، ليل عمان الذي يتم فيه كل شيء، وما النهار إلا للإخراج والمونتاج، المثليون في عمان وعالمهم. الصحافة والفن. باعة الأوطان. الأمراض النفسية. التطرف والإرهاب. الحراك السياسي. التنازلات والتحولات، بالإضافة إلى سلاسة السرد وعفويته، وجمال اللغة، ودهشة القص ومتعته، والعنوان المشبع بالدلالات والإيحاءات، والاستهلال الموفق، والنهاية المحيرة التي تقرع أجراس الخطر!
وعلى الرغم من أن كل العناوين السابقة مغرية، إلا أني فضلت الكتابة عن «الزرقاء»؛ لأن الزرقاء مغيبة نسبيًا عن الرواية الأردنية، وكأنه كُتب عليها أن تكون على هامش الهامش في كل شيء، وفي ذلك يقول القاص هشام البستاني عن الرواية: «بعض أحداثها تدور في الزرقاء، المدينة التي توسّعت بشكل سريعٍ وفوضويّ، ومن ذكاء الرواية أنّها تلتفت إلى أن هامش الهامش هذا قد أنجب (ويا لسخرية الأقدار) شخصيّة محوريّة ومركزيّة في تاريخ تقلّبات المنطقة ومصائر سكّانها: أبو مصعب الزرقاوي؛ ومن ذكاء الرواية أيضًا أنّها لا تتبَّع المكان الزرقاويّ من حيث هو جغرافيا مكانيّة، بل من حيث هو تفاعل مجتمعيّ، بوتقةٌ تتركّز فيها مختلف النتائج الاجتماعيّة للقهر والقمع والفقر والفساد». وقد لخص البستاني صورة الزرقاء والزرقاويين، كما جاءت في الرواية، ويبقى التفصيل على عاتقنا. لم تكن الزرقاء في الرواية فضاءً مكانيًا مؤثرًا، بل مجرد مكان ما، ولو لم ترد كلمة «الزرقاء» و«الغويرية» لما عرفنا أن بعض الأحداث تجري في الزرقاء، وهذا الإغفال لم يأت عبثًا، بل مقصودًا للتأكيد على هامشية الزرقاء، وأنها مدينة منسية، ليست في حسبان صاحب القرار، بالإضافة إلى أن أي مكان في الزرقاء يمثل المدينة كلها، فلا فروقات جوهرية بين مكان وآخر في الزمن الروائي الذي انتهى ربيع 2006، فالزرقاء قرية كبيرة، ووجود بعض القصور فيها يبدو شاذًا، أشبه بدمامل على وجه المدينة لا يمت لها بصلة.



