“قلم النجار” وقائع تفضي بها مخيلة المجانين

المراقب العراقي/ متابعة…
من روائع الأعمال التي ترجمها الراحل صالح علماني رواية «قلم النجار» للروائي الإسباني مانويل ريفاس (1957) ـ أحد رواد الموجة الجديدة للكتابة – الرواية تنتمي إلى تلك الأعمال التي تدفع القارئ للبحث عن مصدر تفردها، على الرغم من أنها لا تنتمي إلى فئة الأعمال المغرقة بالموجهات الأيديولوجية الصاخبة، أو بمحاولة بناء نص سردي شديد الإغراق بالممارسة المرهقة لعملية الكتابة، بحيث تطغى النماذج الإجرائية على التمكين الإمتاعي للعبة السردية. إنها من طينة الأعمال التي تمتص وعي المتلقي لا تبعاً للموجه الفكري، بل لكونها تفتح قدراً من الانغماس للتواطؤ مع فضائها، وشخصياتها، التي تبدو لنا مجسّدة للواقع، علاوة على ما يكمن فيها من نبض يدفعنا لمحاولة تأسيس إجراء نقدي، للحكم على الشخصية في إطار تحركها في المتتاليات السردية، والأهم تكوّن فضاء وعيها في التاريخ الذي تتولى تمثيله.
تستهلك الحرب الإسبانية الأهلية قدراً غير مسبوق من الفاعلية المتخيلة، ونماذج التأطير للحقبة الزمنية الأكثر قتامة في تاريخ إسبانيا الحديث، ففي الرواية ثمة تكوينات تمتزج فيها اللغة الشعرية المسكونة بمتعالية ذات طبيعة لا تختلف كثيراً في نهجها عن أدب الواقعية السحرية، ولكن مع قدرة على كبح المبالغة المفسدة.
الرواية تتملكها شخصيتان محوريتان هما، الطبيب المناضل والثائر الدكتور «داباركا»، وشخصية الحارس «هيربال». تبدو شخصية الأول مثقلة بمناخات من اختلاق نموذج متعدد الأبعاد، يمتد في السرد بلا عناء، ليكون رمزاً ثورياً وإنسانياً وجمالياً، يطغى على بشاعة القتل والتدمير، ففي حوار بين الضابط والحراس «هيربال» حول شخصية هذا الطبيب، نقرأ نموذجاً يلخص واقع الطبيب، حيث يقول أحد الضابط: «طبيب في مستشفى الإحسان البلدي. أستاذ مساعد في كلية الطب. فضلاً عن كونه كاتب منشورات ومحاضراً، ورجل اجتماعات حاشدة، ينتقل بين المستشفى والمركز الجمهوري، ويبقى لديه متسع من الوقت مع ذلك ليأخذ خطيبته إلى السينماتوجراف في مسرح الأمير. وهو صديق حميم للرسام، ذلك الداعية الغاليسي، صاحب اللوحات الدعائية، يرافق الجمهوريين، والفوضيين، والاشتراكيين والشيوعيين، ولكن، إلى أي لعنة ينتمي هذا الرجل؟».
وهكذا يسعى الحارس بكل ما أوتي من قوة للتقاطع مع مصير الطبيب، الذي ينتقل من معتل لمعتقل، حيث يجد الحارس طريقة ما للبقاء قريباً منه، وعلى الرغم من أن بين الشخصيتين المحوريتين أفق نابض بالصراع، بيد أنه مثقل بالدلالات التي تنتقل في متن النص، ونعني محورية (قلم النجار) الذي ينتهي بيد الرسام الذي يسعى لرسم العالم، وما تحتفي به شخصياته من آثار، تتصل بشيء من الحلم والفرح، وربما الكثير من الحزن، كما نقرأ أيضاً في محاولة الرسام رسم عوالم المجانين في مستشفى الأمراض العقلية، وما يمكن أن ينتج من وقائع تفضي بها مخيلة المجانين.



