حرب إنهيار الذاكرة العلاقات الروسية الأوربية في ظل أزمة الطاقة… الطرف الروسي لا يتعاطى مع الحاضر بقدر تعاطيه مع المستقبل

في المدة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، اتبعت روسيا سياسة خارجية ذات توجه أوربي- أطلسي واضح، حيث سعت إلى الاندماج في الحضارة الغربية و الانضمام إلى مؤسساتها كافة ، إلا أنها سرعان ما أدركت أن الغرب لن يسمح لها بالاندماج الكامل في حضارته، وأنها لن تكون بأي حال دولة غربية و إن ظلت دولة أوربية، هذا فضلا عن خيبة الحكومة الروسية من تدفق المعونات الغربية عليها، فحجم ما تدفق من معونات كان محدودا جدا مقارنة بحاجات روسيا، و بتعهدات الدول الغربية ذاتها و وعودها لروسيا، و بخاصة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية فيها, و من ثم بدأت روسيا في الاتجاه شرقا، سعيا وراء الفرص الاقتصادية المتاحة، و تنويعا لعلاقاتها،حتى لا يكون اعتمادها بالكامل على الغرب وحده، و من هنا كان التقارب التاريخي مع الصين و تدل متابعة التاريخ المعاصر للعلاقات بين البلدين على تطور مبرمج، فمنذ أول قمة بين البلدين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، و التي عقدت في بكين عام 1992 ، إلى الاتفاقيات التي وقع عليها عام 1993 و الخاصة بالتبادل العسكري لمدة خمس سنوات، إلى البحث في ترتيب الحدود بينهما، إلى نتائج زيارة رئيس الوزراء الروسي الأسبق “تشيرنو ميردين” عام 1994 ، و التي دعت إلى التعاون بين البلدين في مختلف الميادين المدنية و العسكرية، إلى الاتفاق على ترسيم الحدود خلال زيارة الرئيس الصيني الأسبق “جيانغ زيمين” لروسيا عام 1994 ،إلى الاتفاق في العام ذاته على الالتزام بعدم القيام بنشاطات عسكرية خطرة من قبل إحدى الدولتين على حدود الدولة الأخرى، و في عام 1995،اتفق البلدان على تبادل الطلبة من الأكاديميات العسكرية، و مناقشة المشكلات الأمنية في منطقة آسيا و المحيط الهادي، و في عام 1996 ، توصل البلدان خلال لقاء القمة في بكين إلى إقامة خط ساخن بينهما ،وابرام عقود لإمداد الصين بالغاز الطبيعي الروسي .
مما سبق يبدو أن روابط الصين مع روسيا في المستقبل القريب ستكون أقوى منها مع الولايات المتحدة، و تكمن أسباب ذلك في أنه ليس هنالك عوائق كبيرة للتعاون بين البلدين، فالصين تشارك روسيا في وجهات نظر عامة بخصوص مشاكل عالمية كبرى، أكثر مما تشارك الولايات المتحدة، كذلك فإن الصين و روسيا تلتزمان بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، و على العكس فإن الولايات المتحدة تمارس سياسة المحاصرة و الاحتواء تجاه الصين، و لا تتوقف عن إثارة مشاكل مثل تايوان، و حقوق الإنسان، و العجز التجاري، و العديد من المشكلات الأخرى، إن العلاقات بين الاتحاد الأوربي وروسيا خلال العقدين الأخيرين، قد مرت بمدد صعود وهبوط وأزمات حادة، أثرت في الشراكة فيما بينهما مما طرح في كل الأحيان الولايات المتحدة الأمريكية كشريك استراتيجي قوي للاتحاد الأوربي فقد أعلن الاتحاد الأوربي مرارًا عن تقييمات حادة ونقدية لجوانب كثيرة في السياسة الداخلية والخارجية الروسية ونتيجة للارتباط الأوربي بالسياسات الأمريكية في المنطقة، فقد أدى ذلك من ناحية إلى توتر العلاقات الأوربية الروسية، ومن ناحية أخرى ارتباط دوائر صنع القرار في الدول الأوربية بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الوضع كان شديد الوضوح في ظل الأزمة الأوكرانية ويلاحظ أيضًا أن روسيا في علاقتها بدول الاتحاد الأوربي تتبع إستراتيجية تقوم على مجموعة من الاعتبارات وتسعى القيادة السياسية الروسية إلى بناء سياسة براجماتية، عن طريق الابتعاد عن الحجج الأيديولوجية، وإحلال محلها مبررات سياسية واقتصادية أكثر وضوحًا وتعبيرًا عن تطلعات روسيا المستقبلية, ويمكن القول إن أهم هدف تسعى إليه روسيا الاتحادية هو إعادة هيبتها والحفاظ على أمنها وسيادتها من أي خطر يحيط بها، وهو أمر يدفعها إلى تعزيز وضعها العسكري في المناطق الحدودية لذلك تعدّ روسيا أن قضية انضمام جورجيا وأوكرانيا، وحتى أذربيجان، إلى حلف شمال الأطلسي، تشكل خطرًا كبيرًا على أمنها القومي واستقرارها وإمكانية حركتها وتوجهاتها، سواء على المحيط القريب منها، دول الاتحاد السوفيتي السابق، أم على المحيط الأبعد، مثل الصين أو إيران أو غيرهما من الدول ويضاف إليها مسألة نشر الدرع الصاروخية الأمريكية في بعض دول الاتحاد السوفيتي وتجاهل كل الدعوات الروسية لحل هذه المسألة بطريقة تزيل شكوكها من أنها هي المستهدفة من هذا المشروع, وتعرضت العلاقات الأوربية الروسية لمزيد من التوتر نتيجة للتوجس الموجود بين الطرفين، وقد توحدت ردود الفعل الدولية مع الاتحاد الأوربي بالإدانة والرفض لما حدث من قبل روسيا، ووصفت عملية ضم القرم بأنها غير شرعية ولا تتفق مع القانون الدولي، وقد سارع كل من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية بفرض مجموعة من العقوبات على روسيا بهدف الضغط السياسي عليها واستبعاد الخيار العسكري، ويمكننا رصد مؤشرات التوتر في العلاقات الأوربية- الروسية, ولكن نتيجة لتلك الخطوة من الجانب الروسي، قام الاتحاد الأوربي بفرض مجموعة من العقوبات على روسيا خوفًا من تعاظم الوجود الروسي في البحر الأسود مما يهدد الأمن الأوربي بصفة مباشرة، ويعرضه للخطر، فعلى الرغم من وجود علاقات بين الجانبين، فإن التوجس بينهما مازال قائمًا، فأوكرانيا لم تعد مجرد ساحة للتجاذب بين روسيا وأوربا فقط، بل تحولت لساحة مواجهة فيما بينهما، يحاول كل طرف فيه كسب أوكرانيا أو أجزاء منها إلى صفّه، وحماية نفوذه ودعم اقتصاده وتعزيز حضوره وضمان أمنه من أي تهديد, اهمها, طرد روسيا من مجموعة دول الثماني وذلك ردًا على قيامها بضم شبه جزيرة القرم ويشار إلى أن مجموعة دول الثماني تضم الدول الصناعية الكبرى في العالم، فهي تتكون من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا وروسيا الاتحادية وإيطاليا والمملكة المتحدة وفرنسا وكندا وتهديد الاتحاد الأوربي بتعليق مفاوضاته مع روسيا لتحرير تأشيرات الدخول للمواطنين الروس, وإعلان المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” أن ضم القرم يتعارض مع القانون الدولي، وبالتالي رفضها الاعتراف بوضع القرم الجديد, كما قامت بريطانيا بتعليق تعاونها العسكري مع روسيا، حيث ألغت تدريبات بحرية بمشاركة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك مشاريع لزيارة سفن حربية بريطانية إلى روسيا, كما فرض الاتحاد الأوربي عقوبات على 33 مسؤولاً روسيًا من بينهم رجال أعمال، إلى جانب التلويح بإعادة النظر في بعض الصفقات بين روسيا وبعض الدول الأوربية، كما هددت دول الاتحاد الأوربي بفرض عقوبات اقتصادية ضد روسيا, وإعلان حلف شمال الأطلنطي تعزيز دفاعاته في شرق أوربا، كما قامت كل من فرنسا وبريطانيا بنشر مقاتلات لتعزيز الدوريات الجوية لحلف شمال الأطلنطي فوق منطقة البلطيق كما نشرت بريطانيا وفرنسا كذلك طائرات الاستطلاع “أواكس” للقيام بدوريات في أجواء بولندا ورمانيا في الأسابيع الأخيرة, كما يسعى الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية إلى توسيع العقوبات ضد روسيا في حالة عدم خروجها من شبه جزيرة القرم, في هذا الإطار يمكننا القول إن؛ العلاقات الاقتصادية الأوربية الروسية قد تعززت بشكل كبير في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد شملت مجالات التعاون مناحي عدة، ولكن كان أهمها ولا يزال مجال الطاقة والمتمثلة بصفة أساسية في إمدادات الغاز الطبيعي الروسي إلى أوربا حيث تستورد دول الاتحاد الأوربي ما يعادل 70% من إمدادات الغاز من روسيا و31% من النفط و30% من الفحم, وفي أعقاب الأزمة الحالية ونتيجة لفرض مجموعة من العقوبات على روسيا، فإنها تلوح بين الحينة والأخرى باستخدام الغاز كورقة ضاغطة على أوربا، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وجه رسالة يخطر فيها القادة الأوربيين بأن موسكو يمكن أن تلجأ إلى طريقة جديدة في حسابات الغاز مع أوكرانيا، وهي قاعدة الدفع المسبق، محذرًا من أخطار تهدد عبور الغاز الطبيعي المتوجه إلى أوروبا عبر أوكرانيا. كما أنه على الوجه الآخر فإن هناك محاولات جادة من الاتحاد الأوربي للاستغناء عن الغاز الروسي، حيث أعلنت شركة إيني الإيطالية منذ أيام أنها تستطيع الاستغناء عن الغاز الطبيعي من روسيا العام المقبل، ما يهدد مصير مشروع السيل الجنوب لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر البحر الأسود وجنوب أوروبا، وهو مشروع دفعت روسيا بثقل دبلوماسيتها لتمريره للقضاء على حظوظ خط نابوكو المدعوم أميركيا لنقل الغاز من آسيا الوسطى إلى أوروبا عبر تركيا. ومع أن أوربا تستطيع الحصول على الغاز من مصادر أخرى، لكن هذا الأمر ليس سهلاً، وسيتطلب الكثير من الوقت. والمشكلة هي أن الغاز الذي يتم تصديره، يتم توفيره عبر عقود طويلة الأجل، كما أنه وفقًا للإحصائيات، فإن استهلاك أوروبا سينمو إلى 700 بليون متر مكعب عام 2020، مقارنة بـ 650 بليون متر مكعب حاليًا، ومن هنا نجد الصعوبة البالغة في تخفيض الاعتماد على الغاز الروسي في المدة المقبلة من جانب دول الاتحاد الأوربي, ومن هنا يمكننا القول إن مستقبل تلك العلاقات في ضوء أزمة القرم مرهون بمستقبل أمن الطاقة في أوربا، الأمر الذي يمكن معه طرح تصورين لمستقبل تلك العلاقات بعيداً عن حالة استخدام القوة, فلا يمكننا الحديث عن مستقبل العلاقات الأوربية الروسية في ضوء أزمة القرم بعيدًا عن مفهوم أمن الطاقة والذي يشكل عنصرًا جوهريًا في العلاقات بينهما إن أهم هدف تسعى إليه روسيا الاتحادية هو إعادة هيبتها والحفاظ على أمنها وسيادتها من أي خطر يحيط بها، وهو أمر يدفعها إلى تعزيز وضعها العسكري في المناطق الحدودية, فيجب استمرار تلك العلاقات على نهجها الحالي في ضوء التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة الراهنة والاتفاق على شكل العملية السياسية في أوكرانيا، وستكون الولايات المتحدة الأمريكية هي الخاسر الأكبر من هذا السيناريو، وذلك نظرًا لأن هذا السيناريو سيؤدي إلى مزيد من التقارب الروسي الأوربي وهو ما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لمنعه حتى لا يؤثر على مصالحها في المنطقة ولا يخفى على أحد احتمالية حدوث هذا التصور خاصة في ظل اتجاه هيكلية النظام الدولي إلى التعدد بعد الأحادية، أي أننا مقبلون على عالم متعدد الأقطاب.التوازن الناعم … الإئتلاف الصيني الروسي ضد أمريكا نموذجاًبعد ان اتخذت الصين وروسيا سياسات هجومية في تعاطيهما مع القضايا الدولية تشهد الساحة الدولية توترا ملحوظا، فروسيا تنتهج العنف ضد الغرب والصين لديها سياسة هجومية في خلافاتها البحرية مع جيرانها وهذا يطرح تساؤلا حول امكانية وجود ائتلاف صيني روسي ضد امريكا على صعيد السياسة الدولية, وتشعر الصين وروسيا بوجود تهديدات امريكية مشتركة لهما رغم وجود خلافات ايديولوجية واستراتيجية بين بكين وموسكو وان هذا الشعور قد دفع هذين البلدين نحو ائتلاف ناعم وهذا يدل على أن السياسات الامريكية والغربية تجاه هذين البلدين تؤثر في طبيعة العلاقات بين الصين وروسيا ولذلك من المفروض ان تعيد امريكا واوروبا النظر في طبيعة علاقتهم مع هذين البلدين, وكانت علاقات الصين وروسيا بعد منتصف العقد الماضي مبنية على اساس الشراكة الكاملة وسبب ذلك هو ازدياد الضغط الذي شعر بها البلدان من حلف الناتو بقيادة امريكا، ان التعاون الروسي الصيني بسبب التهديدات الخارجية يدل على أن سبب العلاقات الوثيقة الاقتصادية بينهما لم يكن السوق ومتطلباته فرغم وجود امكانية كبيرة للتعاون بين البلدين في مجال مصادر الطاقة مثل الغاز والنفط نرى ان هذا التعاون لم يتبلور الا بعد وقوع الازمة الاوكرانية وفرض العقوبات على روسيا، وهناك نتائج لهذا التعاون الثنائي بین البلدین, حيث ان التحديات امام التعاون الصيني الروسي ستكون اكبر واكثر من الفرص الناتجة عن هذا التعاون لأن روسيا قد منحت الصين امتيازات كثيرة في عقود الغاز وان التهديدات الامنية تلعب دورا هاما في تعزيز التعاون بين روسيا والصين لكن العملية يمكن ان تصبح عكسية مستقبلا, وتعدّ العقوبات الغربية على روسيا من اهم اسباب موافقة موسكو على ابرام عقود بيع الغاز للصين لكن البلدين يدركان جيدا ان الاعتماد على الآخر اكثر مما يجب سيؤدي الى تهديد المصالح الوطنية لكل منهما فالصين قد سعت الى تنويع مصادر التزود بالنفط عبر ابرام عقود مع المصدرين من دول آسيا الوسطى كما سعت روسيا الى توسيع اسواق تصدير نفطها في آسيا واتجهت نحو التعاون مع الهند واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام ومنغوليا وحتى كوريا الشمالية لكن تعاون روسيا في مجال الطاقة مع بعض الدول الآسيوية لم يرق للصينيين فعلى سبيل المثال عدّ بعض المحللين الصينيين ان العقد الذي ابرم بين روسيا وفيتنام في مجال الطاقة في منطقة بحر الصين الجنوبي التي تعدّها بكين مركزا لسيادتها المطلقة، وفي المقابل تعتبر روسيا ان احياء طريق الحرير الاقتصادي الصيني في كامل اجزاء آسيا الوسطى سيضعف النفوذ الجيوسياسي الروسي في اوراسيا, وحالياً هناك سؤال آخر يطرح نفسه وهو هل ستؤدي الشراكة الكاملة الحاصلة الان بين الصين وروسيا الى تشكيل حلف عسكري ضد امريكا وتحدي المنظومة الغربية؟ والجواب هو ان هذا الامر يتوقف على الخطوات التي ستتخذها امريكا، فالشراكة الحالية بين موسكو وبكين تشبة التوازن الناعم مع امريكا في احسن الاحوال لكن زيادة الضغط الامريكي على روسيا عبر حلف الناتو وكذلك زيادة الضغط الامريكي على الصين المتطلعة نحو شرق آسيا ستدفع روسيا والصين نحو التقارب من بعضهما البعض بشكل اكبر وان تعزيز التعاون الامني والاقتصادي بين البلدين ليس فقط يؤدي الى دعم القدرات العسكرية لهما بل يمكن ان يصبح نواة لتشكيل تحالف سيهدد المصالح الامريكية والغربية. خيارات روسيا أكبر وتأثيراتها أخطر… آخر ما آلت إليه الحرب الجيوسياسية والعسكرية بين موسكو والناتو لم تعد الحرب باردةً بين الدول الأوروبية وروسيا، لكنها حتى الآن لم تنفجر ويمكن القول إن ضعف الطرف الأوروبي عسكرياً، عاملٌ مساعدٌ في إرساء واقعٍ من الحرب الحاصلة، وعدم وصولها للتصعيد العسكري لكن التجربة تقول إن الطرف الروسي لا يتعاطى مع الحاضر بقدر تعاطيه مع المستقبل وهنا يأتي الحديث عما آلت اليه الأمور اليوم بين الناتو وروسيا فكيف يمكن وصف ذلك وما القراءة التحليلية له؟, فقد كشف السفير الألماني السابق لدى حلف شمال الأطلسي “الناتو” مارتن إردمان أن البعض من الدول التي تشكل هذا الحلف العسكري ترفض إعادة إحياء مجلس حلف الناتو – روسيا، الذي كان منتدى للنقاش والتعاون على المستوى السياسي ويقول “إردمان” حول موقف الحكومة الألمانية بشأن ذلك إن بلاده توافق بلا شك على عودة العلاقات مع موسكو، لكن ليس هناك أي إجماع في الحلف في الوقت الحالي يأتي ذلك في وقت تمر فيه العلاقات الروسية الأوروبية بأسوأ حالاتها منذ سنوات طويلة بسبب الأزمة الأوكرانية التي تقترب من نهاية عامها الثاني وفي مقابلة أجراها إردمان مع “وكالة الأنباء الألمانية” بمناسبة تعيينه سفيرا جديدا لبلاده في أنقرة، قال إنه يتفهم سبب معارضة تلك الدول، والتي لم يسمها، لعودة العلاقات مع موسكو، كما أنه وصفها بالمهمة التي تشبه السير على الحبل. وأشار إلى أن إعلان قمة “الناتو” القادمة في ويلز يشير من جانب مهم إلى ضرورة التخطيط واتخاذ إجراءات طمأنة فيما يتعلق بالدفاع المشترك، لكن أيضاً من الجانب الآخر، يتعين استمرار الحوار مع روسيا وعدّ المسؤول الألماني أن الإنتقادات التي يتعرض لها الناتو الآن بخصوص ما يراه البعض من أن هناك استعراضاً كبيراً للغاية للقوة العسكرية مبررة فروسيا يتم استفزازها بشكل متعمد عبر القيام بمناورات عسكرية في الدول الأعضاء الشرقية في الحلف تحت غطاء الأزمة الأوكرانية وكان قد علق الناتو مطلع نيسان العام الماضي التعاون مع روسيا مدنياً وعسكرياً مع الإبقاء على الحوار السياسي، لكنه لم يفعّل بالشكل المطلوب منذ ذلك الوقت وبدأت حرب باردة تتشكل في كواليس العلاقات بين الجانبين, فقد سعت روسيا مؤخراً الى التوجه نحو أوروبا من خلال الإقتصاد وقد ساعدها على ذلك فرصتها الكبيرة في قطاع النفط والغاز وهو الأمر الذي أدى الى إيجاد تكاملٍ بين الإقتصادين الروسي والأوروبي لكن مشكلة القرم كانت المنعطف الذي أدى لتوتر العلاقات الروسية الأوروبية، وصولاً للأزمة الأوكرانية حينها حاولت أوروبا الضغط على روسيا من خلال سوقها الاقتصادية ألتصديرية نتيجةً للضغط الأمريكي فكانت ردة فعل بوتين على التحدي الأوروبي الأمريكي، برفعه وتيرة الصراع عبر زيادة الموازنة العسكرية والتلويح بالخيارات العسكرية من خلال زيادة النشاط العسكري في بحر البلطيق هادفاً لتوجيه رسائل شديدة اللهجة للدول الأوروبية لمنعها من التدخل في دائرة النفوذ الروسي وهنا يمكن القول وبموضوعية إن الطرفين الروسي والأوروبي يقومان بحربٍ تعتمد على أوراق قوة يمتلكها كل طرف ونحن هنا نوصِّف الواقع بموضوعية ولا نُبدي رأياً لذلك فإن حاجة الأوروبيين للطاقة الروسية كانت أمراً جعلهم يفكرون في العديد من الخيارات لكن غرقهم في السياسة الأمريكية جعلهم يرضخون لضغوط واشنطن لا سيما فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية على روسيا كون أوروبا سوقاً لمنتجات موسكو لكن وبحسب النتائج فإن هذا السلاح لم ينفع مع الدب الروسي كما أن الواقع الجيوسياسي الأوروبي، يفرض على أوروبا التوحد معاً في حال أرادت الصراع مع موسكو لكن الواضح أن الإختلافات بين الدول الأوروبية أكبر من الإتفاقات ويمكن القول إن هذه الدول لا يجمعها إلا عملة اليورو فيما يبدو جلياً حجم التفاوت في قراءة السياسات الخارجية الى جانب المشاكل الداخلية التي تطال الإتحاد الأوروبي مجتمعاً لا سيما الأزمة المالية، كما أن الأزمات السياسية تطال الدول الأوروبية على الصعيد الداخلي وهو الأمر الذي يجعل خيارات الدول الأوروبية قليلة وضعيفة، لا سيما على الصعيد العسكري وهو ما يمكن قراءته من الموازنات العسكرية التي لم ترتفع بالنسبة المطلوبة, و بالنسبة لروسيا فإنها أصبحت أقوى على الصعيدين السياسي والعسكري، كما أنها استغنت عن السوق الأوروبية بشكلٍ كبير بعد دخولها للسوق الأسيوية ولا بد من الإشارة الى أنه وبعد الإتفاق النووي للغرب مع إيران، فإن الوضع الروسي أصبح أقوى، كون طهران وموسكو تعدّان حليفتين إستراتيجيتين إذن تختلف وجهات النظر في مقاربة المستقبل حول الحرب الجيوسياسية والعسكرية بين الطرفين لكن الجميع يؤمن أن خيارات روسيا أكبر وتأثيراتها أخطر فيما ينتظر العالم اليوم .




