شدعي عليك … يلي أحركت قلبي !

المراقب العراقي / خاص
لمحتها في حفلة اجتماعية تحدق في الفراغ بعيداً عن جميع الحضور في الحفلة ، تابعتها فإذا بها تتحرك بلا حيوية تتحدث عندما تجبر على الكلام بصوت حزين يكاد يكون صدى لأعماق تئن وتنزف ، اما عندما تبتسم في وجه من تصادفه في طريقها فان تلك الابتسامة تبدو باهتة مشروخة وكأنها رسمت على وجه حزين في لوحة فنان قدير استطاع من خلالها ان يبرز كل معاني الألم والمعاناة التي يتعرض لها الفرد منا عندما يضيع منه إنسان عزيز على قلبه او يفتقد صدراً حنوناً كان يلوذ ويحتمي به .. حزنت ان أراها في هذه الحفلة على مثل هذه الحالة والمنى ان تتحول تلك الانسانة الرقيقة المرحة بشهادة الجميع الى انسان يصرخ اليأس من معالم وجهها كله .. لحقت بها .. ناديت عليها وعندما سمعتني التفتت الي ورحبت بي بصوت اقرب الى صوت الدموع الصادقة منه الى الصوت العادي… وعند اقرب ركن منعزل جلسنا وللحظات كانت لغة الصمت هي طريقة تفاهمنا الوحيدة .. حدثني صمتها عن عمق أحزانها ومساحات المعاناة التي تحيا في ظلالها… وحدثها صمتي عظيم تاثير لحالها .. رايت ان استعجل فتح الحوار .. فقلت لها .. هل اسأل ؟.. أجابت بمرارة .. لا داعي سوف أجيب .. تمتمت بصوت ضعيف ..
يوم أحببته صرت شاعرة تنشد في حبه دواوين أشعار مثلما كانت( سافو) تنشد الإغريق قديماً شعرها وقصائد (هو ميروس) على ايقاع قيثارتها السماوية عند سفح جبل اولمب .. وعندما توج الزواج حبنا اصبحت مثل فراشة تدمن رقصة العشق في لهب الشموع.. علمني لغة الوصل .. صلوات وابتهالات الجسد المسكون بالرغبة والشوق .. بثني غرامه ليل ونهار في القرب والبعد ..اذا زعلني يوما عاد نادماً راجياً متوسلاً ان اغفر له .. فالحياة بدوني لا تعني شيئاً ..يدعو الله دوماً ان يجعل يومه قبل يومي كي لا يشقى بعذاب الفراق ولوعة البعد وشجن الوداع.. ثلاثون عاماً من الغرام الموصول .. عشت معه تحت سقف واحد .. لا نفترق غير تلك الساعات المعدودة من النهار عندما نخرج كل منا الى عمله .. حتى كانت ليلة ساكنة الريح ما من ورقة واحدة ترتعش في الشجرة القريبة في حديقة الدار عندما كنا جالسين .. نشرب الشاي وننصت لصوت الموج متجمعاً عند شاطئ نهر دجلة الغارق في الظلمة الحالكة .. فجاة تلاحقت دقات قلبه وغمر العرق وجهه وضع رأسه على كتفي واسلم الروح! بدأ النهار بدق أوتاد الخشب والحديد لإقامة الجادر الكبير الذي يليق بمقام الراحل العزيز.. وانهمرت الدموع.. اعنى الذي ذهب ولن يعود .. بينما انا ظللت سجينة غرفتي بعد ان افقدتني الصدمة القدرة على الحركة والنطق والبكاء .. انقضى العزاء وانصرف المعزون في اليوم الثالث.. لكن احدهم ترك لي حقيبة صغيرة اودعها زوجي الراحل لديه ليسلمها لي بعد مماته .. حضرة المحترم له زوجة اخرى انجب منها بنتاً وولداً.. وأوراق ومستندات قانونية موثقة بتوزيع التركة وممتلكاته ..!
أخذت الطم وجهي وانأ امشي في غرفتي ذهاباً ومجيئاً عشرات المرات .. اتامل صورته في ذهول .. أسقطت الصورة على الأرض وأخذت أدوسها بقدمي بحرقة المصدوم .. افتح دولاب ملابسه .. امزق قمصانه وكل ما تطوله يدي وانأ اسبه بافزع الشتائم وادعو عليه .. كيف عشت مخدوعة طوال ثلاثين عاماً .. تتقاسمها فيه امرأة أخرى ظل زواجه منها سراً لم تكتشفه ألا بعد وفاته..
تشعل سيجارة .. تتأمل دوائر الدخان خلف النافذة الزجاجية المغلقة يطل القمر بدراً كاملاً
ينعكس ضوء على ورقة الورد النائم في حضن الدرج الحجري .. ويرسم بالنور لوحة معلقة في الفراغ الممتد ما بين السماء والأرض .. يطل منها وجهه المخادع والمرأة الأخرى التي لا تعرف ملامحها .. أهات محمومة جعلتها ترتجف مثل طائرة مبلل بالحزن .. تمتد أصابعها المرتعشة بعصبية الى شريط كاسيت تديره لتسمع بصوتها الحزين مطربة تغني…
( شدعي عليك يلي أحركت قلبي).. ينساب هذا النغم البغدادي ذليلاً.. ثم يتعالى شاكياً مريراً .. وسرعان ما يخفت لحظة .. معاتباً الى أن يتلاشى موجعاً .. يوقظ في جسدها المحموم الاماً وندوباً وجراحاً وحسرة .. لقد اغتالها رجل .. اغتال قلبها وأدميتها وكرامتها .. رجل يتخيل نفسه قادراً على امتلاك امرأتين في وقت واحد .. يجيد احتراف مضاجعة جسدين في آن واحد .. لا يهمه اختلاط الملامح والأسماء ..فقط إرضاء غروره وأثباع غرائزه المرضية وتنشيط ذاكرته الجنسية التي تخبو بمرور الوقت .. لكنه ينسى دوماً انه لا يستطيع أن يخدع طوال الوقت وان كشف المستور آت مهما طال الزمن .. وعندما تأتي اللحظة الصادقة تتحول ثورة المحب الخائن إلى نار تحرق أول ما تحرق قلب الخائن المخادع .!




