ثقافية

ميادة المبارك الباحثة في جغرافية المكان عن “مرآة” تصل بها إلى “جنته الأخرى”

المراقب العراقي / القسم الثقافي …

يرى الناقد والشاعر وجدان عبد العزيز ان الشاعرة ميادة المبارك عكست في نصوصها صعوبة الوصول الى المعنى، لانها في محنة الوجع، وجع الفقدان، ووجع عدم امتلاك الذات الامر، الذي جعلها تتخفى في رداء اللغة.

وقال عبد العزيز في قراءة لقصائد (جنتهُ الوسطى) و(لأنكَ لا تعرفني) و(..مرآة..) للشاعرة ميادة المبارك خص بها (المراقب العراقي ): لاشك ان مستويات المعنى واللغة تتفاوت، بين شاعر واخر على مستوى مجموعة من الشعراء، وبين نص واخر لنفس الشاعر من حيث المعنى الذي يطفو على سطح النص، والمعنى الغاطس في عمق النص وفق لغته الشاعرية الباحثة في فضاءات شعرية المعنى.

واضاف :وكما روي عن فيكتور فرانكل: في إحدى اللحظات الصعبة على نحوٍ خاص، حيث كان مبّللًا، ويشعر بالبرد والجوع والضعف، ويقوم بعمل يدوي يقصم الظهر، بينما كان يتعرض للجلد والصّياح، روى فرانكل حدوث ما لا يمكن تسميته إلا بتجربةٍ روحيّة، حفّزتها فكرة الحب الذي كان يشعر به تجاه زوجته:(خطرت لي فكرة أصابتني بالذهول: للمرّة الأولى في حياتي أرى الحقيقة بصورتها المجرّدة، كما تغنّى بكتابتها كثيرٌ من الشعراء، وكما وصفها الكثير من المفكرين بالحكمة المُطلقة، وهذه الحقيقة هي أنّ الحب هو أعلى وأسمى هدف يمكن للإنسان أن يطمح إليه، ثمّ قبضّتُ على معنى السّر الأعظم، الذي تحدث عنه الشعر والفكر والعقائد الإنسانيّة: إن خلاص المرء يكون من خلال الحب، وفي الحب.

وتابع :لقد فهمت كيف لرجلٍ لم يتبقَ له شيء في العالم ما زال يعرف معنى النعيم، حتى وإن كان للحظةٍ وجيزة، من خلال التأمّل في محبوبه.) (الإنسان يبحث عن المعنى – فيكتور فرانكل)، فكيف اكتشف فيكتور فرانكل هذا المعنى وهو تحت سياط التعذيب وفي المعتقل؟، هل تكون حالات تأمل وتجلي، ام ذلك الألم الجسدي حرك قواه العقلية للاكتشاف؟، نحن امام اشكالية التفكير الانساني والألم، وكذا التفكير الانساني وحالة الاسترخاء.

وتابع : وقد اجد هنا دالة بين نصوص الشاعرة ميادة المبارك وبين استشعار فرانك هذه الحالات، ففرانك رغم الألم وقساوة الحياة ادرك معنى الحب، وميادة عكست في نصوصها صعوبة الوصول الى المعنى، لانها في محنة الوجع، وجع الفقدان، ووجع عدم امتلاك الذات الامر، الذي جعلها تتخفى في رداء اللغة، وتحاول جاهدة ان تضع معناها بين كلماتها واسطرها، عسى ان تخلق دالة معينة ومن خلال اللغة تؤدي في اخر المطاف الى المعنى المراد، تقول الشاعرة المبارك:

( كإنثيالاتهِ السامقة أوجدها

وكطريقهِ الوارف الخُطى

أدرك بأن الشمس مغيبه عند بزوغها كضوء القمر

تأسره كنور صباحها الممزوج بالعطر

وإقامته الجبرية فيها

يرفعها لسقف تحديه الكوني

كآدم والتفاحة ..هي من صنعت له القدر

ليضرب بها أروع مقايضةٍ للتاريخ)

واشار الى ان الشاعرة بقيت في سرية تامة سوى ضمير دال على إنها تخاطب ذكرا، لكن ماذا تريد منه؟ وما مغزى هذه المخاطبة؟ .. الحقيقة بقي المعنى منها طي الكتمان في الاسطر الاولى من القصيدة، لكننا مسكنا بخيوط لها، الا وهي الانثيالات، رغم اننا لم ندرك تماما ماهي؟، لكنه (أفرطَ فازدهى/وتنرجسَ في استهلاله العشقي/فارهاً بأسمالها المثقلة ..وبقدره المعلن)، فما هو قدره المعلن؟، هذه الأسئلة المتوالدة، جعلتنا ازاء كينونة الشعر الكائنة في انه مسار من الاسئلة الغير منقطعة.. وهذا هو العمق في كتابات الشاعرة ميادة مبارك، تجعلك ازاء اسئلة تتوالد من خلالها اسئلة، وتحتاج الى تركيز ذهني للوصول الى الاجوبة، وقد لا نصل لهذه الاجوبة، والامر لم يُعد عيباً، كون الشعر مشروع تيه لم يكتمل، وهكذا تبقى في دائرة السؤال تُحرك خيوط المعنى بقولها:

(أمغامرة هي ؟!

قد استحقت أن تغيّر بها وجه عالميين

ويُغيّر بها جغرافيا المكان فتحتدم المسافات ..!

كي تليق بقصة سقوط لجنة أخرى

ويحُتفى بها كقصة انتصارٍ ..لعشق بني البشر)

اي انها جعلت المغامرة سؤال ومن خلالها حركت قضية البحث في جغرافيا المكان..ثم تقول الشاعرة المبارك:

(لأنك لا تعرفني

ستعتمرُ سدارةَ الإخفاءِ حيناً

وحيناً تنعطفُ نحو نعوشٍ تقتاتُ عليهِا

لتلتحقَ بركبِ من حمّلك زوراً شهادة ميلادهِ

لأنهم لن يكترثوا يوماً

لجياعِ الوطن)

لتدل على معنى سامي في مسيرتها الشعرية، لذا تخاطب الاخر سواء عرفتني ام لم تعرفني، وسواء استعملت التورية والاخفاء، لتحاول تزوير مسيرتي، انا لا انحاز الا لجياع الوطن، فجياع الوطن هم ابناءه الحقيقون بل هم الاصلاء، لانهم رغم الجوع متمسكون به..وتكشف جانب خفي اخر بقولها:

(الوردُ الذي يطلُ آسراً من نافذةِ شرفتنا

كانَ يدوّنُ رشفات فناجينِ قهوتنا

وبعض أحاديثنا المكررة

في صباحاتٍ بغداديةٍ دافئة

تعدو فوقَ تلالِ قريتها العتيقة

كطفلةٍ حالمةٍ بضفائر)

وشاهدها هذه المرة (الورد)، وهو يطلّ آسراً، ليبرهن انها فوق تلال قريتها العتيقة، كطفلةٍ حالمةٍ بضفائر.. تبقى متمسكة بالحب الطريق السحري في الثبات، وبالوطن الحضن الدافيء لكل ذكريات طفولتنا وحبنا الجميل، وبهذا فنحن ازاء رحلة غامضة، تتوضح جليا، كلما امعنا القراءة الجدية بين الاسطر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى