قـراءة في لافتـة نعـي ليساري عراقي !!
يتداول في الأوساط السياسية والثقافية العراقية، أن اليسار العراقي يتوفر على مستويات وعي متقدمة، وتحول هذا المتداول الى شبه مسلمة، بسبب تكرارها، وكثرة عمليات إعادة تدويرها، فهل يستحق فعلا هذه المكانة والتوصيف؟!
نشير في هذا الصدد، الى أدلجة العقل الحزبي اليساري العراقي، شأنه شأن معظم الأحزاب العريقة، العاملة في الساحة السياسية العراقية، ونشير أيضا الى أن وجود اليسار العراقي في هذه الساحة، تميز بالتذبذب، نتيجة لأسباب موضوعية وأخرى شكلية، بعضها يتعلق بقمع السلطات في الأنظمة السابقة له، وبعضها لمشكلاته الذاتية.
من مشكلاته الذاتية؛ أنه حول الأيدولوجية الى صنم يُعبد، فكانت النتيجة؛ منظومة سياسية فاقدة لديناميكية الوعي السياسي، ومع أن متبنياته سقطت بيد أهلها، في أوربا الشرقية والأتحاد السوفيتي السابق، إلا أن كل مجد هذا العقل، يتجلى في تبنيها المطلق..هذا في مستوى الماضي!
في مستوى الحاظر؛ ما زال هذا العقل يؤمن بالشعاراتية المفرطة، التي تتفهم من حاجات المجتمع، على طريقة”المعارضة من أجل المعارضة”، معتقدا أن ذلك سيوصله إلى المدينة الفاضلة، وسيوصله الى السلطة أيضا!
يطرح اليسار شعارات رائعة تنقد الواقع، لكنه لا يحدد البديل! ثم أن تطبيقاته؛ تداخلت مع تطبيقات الليبرالية فتماهتا مع بعض، برغم غياب الحدود الأيدولوجية، وبرغم أن أدبياتهما تعج بالمتناقضات التصادمية! لذلك فإن السائد في الأصطفاف الليبرالي اليساري، هو غياب التجانس والاتّفاق الأدنى على شروط اللعبة السياسية.
العقل الليبرالي؛ مهمته الأساسية أن يتحصّل على النتائج قبل توفير المقدمات، فيما العقل اليساري يدعي أنه يعمل، على توفير المقدمات للحصول على النتائج!
العقل الليبرالي؛ تمارس أحزابه انتهازية نيابية، يُباع فيها المقعد النيابي بالمال وليس بالأعمال، والعقل اليساري”مفلس” فاقد للظرف التاريخي، باحثا بلا رصيد عن فرصته، محاولا أن يبني قوته الأجتماعية، في أوساط وبيآت، ليست من سنخ إيدولوجيته وعقيدته وممارساته.
لعل من المفيد أن يبذل جهدا فكريا، للتعرف على محددات العقل اليساري العراقي، وعلى البنى المنطقية التي ينطلق منها، بغية إعادة بناء المعرفة السياسية عنه، للخروج بإجابات مقنعة ، عن لماذا ظل هذا العقل، عقل حاجة وليس عقل تدبر واختيار؟
لنا أن نتساءل: ماذا أنتجت الحركة اليسارية في العراق، وقد بات عمرها قرابة قرن كامل؟! ألم يخرج اليسار العراقي من اللعبة السياسية، نتيجة تبنيه مواقف قيمية تناقض قيمنا؟ ونستطيع أن نقدم عشرات الأمثلة في هذا الصدد، منها موقفه الصريح من الشعائر الحسينية، والصوم والعطل الدينية، وموقفه السلبي، من رفض المجتمع لمواخير الرذيلة وحانات شرب الخمور، وتبنيه لممارسات دخيلة على مجتمعنا، كالمهرجانات الشاذة التي يرفضها المجتمع بشدة!
الحقيقة أن العقل اليساري العراقي، مازال رهين فكر، ظل ولأكثر من 100عام، يمارس التعسف الفكري والإرهاب المفاهيمي، ولذلك فإنه في محنة دائمة، يعالجها كل يوم بالهروب الى أمام!
المشكلة الأكبر هي أن لليسار تعريفا للأخلاق، مختلف تماما عن الأخلاق!
كلام قبل السلام: قرأت لافتة نعي ليساري عراقي كتب فيها( توفي الشاعر الكبير فلان الفلاني، له الذكر الطيب، ولذويه واصدقائه الصبر والسلوان بقصائده!) متجاهلين من خلقه، ومن ألهمه الشعر، ومن أخذ روحه الى سقر، لأنه مات مخمورا!
سلام….
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



