من نفحات الإمام الخميني «قدس سره»..يوم القدس : يوم الوحدة الإسلامية ومنارة ثورية للمستضعفين ترعب قوى الاستكبار

المراقب العراقي ـ علي المؤمن
يحيي المسلمون في يوم غد الجمعة ـ و هي الأخيرة ـ من شهر رمضان المبارك يوم القدس العالمي .تلك المناسبة التي بدأ بالدعوة لها إمامنا الخميني(قدس سره) لتصبح اليوم عالمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى.ولعلنا لا نستطيع الإحاطة بكل أبعاد هذا المشروع الإلهي الذي بذر الإمام(قدس سره) بذرته الأولى ولكننا سنحاول أن نسلط الضوء عليه علنا نوصل ولو نزاً يسيراً مما أراده(قدس سره) من دعوته لهذا اليوم العظيم، مؤكدين دور قائدنا الإمام الخامنئي(دام ظله) الذي حمل مسؤولية ادامة هذا اليوم العظيم وقيادة الامة وسط هذه المعركة الشرسة التي تعيشها الأمة الإسلامية.وعن هذا الموضوع وأبعاده وتأثيراته حاورنا في قضيتنا الحوارية اليوم كلاً من الشيخين مشرق الكريعاوي وجاسم الساعدي اللذين تفضلا بالإجابة عن أسئلتنا ومحاورنا؛فكانت البداية مع الشيخ مشرق
ما يوم القدس العالمي؟،وماذا يمثل بالنسبة للمسلمين؟.
يوم القدس العالمي يوم دعا له وحدده لأول مرة الإمام الخميني الراحل(قدس سره) في الجمهورية الإسلامية والعالم الإسلامي بل وكل العالم في شهر آب من عام 1979 عام الثورة الإسلامية المباركة.لأن القدس بالنسبة للمسلمين عامة كانت وما زالت من أهم قضاياهم المحورية. وهي ذات أهمية كبيرة للمسيحيين وحتى اليهود أيضاً( بعيداً عن النظرة الصهيونية فاليهودية دين وليست قومية).ومحورية يوم القدس بالنسبة للمسلمين متأتية من أهمية هذا المكان المقدس وروحيته فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومنها عرج نبينا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماء،وفيها إلى اليوم المسجد الأقصى،وحائط البراق.لهذا فالإمام(قدس سره) يعرف جيداً أهمية القدس ومحوريتها في ديننا الإسلامي ويعرف جيداً حجم معاناة الشعب الفلسطيني وكيف قتل وشرد وعذب على يد الصهاينة.لذا جاء يوم القدس احياءً وترسيخا لتلك القضية وابقاء لها حية في وجدان الناس لذلك جاء النداء التاريخي من الإمام(قدس سره).وهذا النداء شكل انتقالة استراتيجية في مسار القضية الفلسطينية وتاريخ المقاومة الإسلامية إذ شكل تعبئة كبيرة بالنسبة لجماهير الأمة الإسلامية كما أنه أحدث أيضاً انتقالاً في مسار الصحوة الإسلامية للشعوب المسلمة العربية منها والإسلامية.واليوم نحن نرى كيف أن يوم القدس ذاع صيته وأصبح من الانتشار والسعة بمكان أن وصل حتى للدول الأوربية خاصة في السنوات الأخيرة من سنة 2000 وإلى اليوم.قد بيّن يوم القدس مظلومية الشعب الفلسطيني للجاليات المسلمة وحتى بالنسبة للشعوب غير المسلمة في أوربا وأمريكا وباقي دول العالم ممن يدينون بالقيم الإنسانية ويرفضون الاستبداد والاحتلال واغتصاب الأرض.من قبل الصهاينة الذين تربوا على أيد بريطانية ونمو وترعرعوا في الأحضان الأمريكية الإستكبارية.
ولأن الإمام الخميني(قدس سره) ينحدر من مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)هذه المدرسة العظيمة ـ التي هي على العكس مما يظنه بعض المتطرفين من أنها مدرسة تخص طائفة معينة وتحاول الإساءة لباقي الطوائف والمذاهب فهي مدرسة الإسلام والمسلمين،ولأن الإمام الخميني(قدس سره) ينحدر من هذه السلالة الطيبة وليس فقط من المدرسة وينحدر من البيئة الاجتماعية والفكرية الحاضنة لفكر مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ـ كان نداؤه إسلامياً ولم يكن طائفياً فالقدس لا تمثل أهمية بالنسبة لطائفة دون أخرى من المسلمين بل هي قضية المسلمين جميعاً ومأساة الشعب الفلسطيني مأساة المسلمين جميعاً .هذا من جانب ومن جانب آخر ففي نداء الإمام ودعوته ليوم القدس العالمي دلالة وحدوية منطلقة من مذهب التشيع لباقي المذاهب الأخرى كي يبين حقيقة المذهب وحقيقة أن الإسلام يتمظهر بشكل جلي وواضح من خلال التشيع ومدرسة أهل البيت(عليهم السلام) وعلمائها.ولعل المذاهب الأخرى اليوم تفتقر لمثل هذا النداء الإسلامي على المستوى الفكري والآيديولوجي وحتى على مستوى التمثيل والتمظهر الاجتماعي.لذا تجاوز الإمام(قدس سره) ـ كما بينا ـ الحدود المذهبية ونادى بالقضية المصيرية للمسلمين.ففلسطين والقدس مغتصبة ومنتهكة من الصهاينة وعلى مرأى ومسمع من كثير من قيادات الشعوب الإسلامية دون أن تحرك ساكناً،لذا جاء نداء الإمام(قدس سره) كي يوضح حقيقة إسرائيل وأهمية وخطورة ما سلبت من المسلمين وما ستسلبه منهم إن لم يجتثوها من أصلها،وأنها ستتحكم بمقدراتهم؛فقد بيّن الإمام(قدس سره) وفي أكثر من مناسبة وخطاب وموقف بأن إسرائيل “غدة سرطانية” يجب اجتثاثها.
ومن ثمار هذا العمل الجبار للإمام(قدس سره) أن أقيم قبل عامين مؤتمر في فلسطين كان فيه كثير من مشايخ أهل السنة،وكانوا يقولون وهم على مأدبة طعام أن مسألة تحرير فلسطين هي مسألة بعيدة جداً وغير واقعية.لكن بمقابل كان هنالك علماء من الشيعة من الذين كانوا حاضرين كانوا يناقشون هذا الموضوع ـ وإن كان النقاش داخلياً ـ ويقولون ،لا، إن هذه المسألة تحيا كل سنة وهي في وجدان المسلمين.كما إنها لم تشكل شوكة فحسب بل عائقاً كبيراً وعقبة كأداء بوجه المخطط الصهيو ـ أمريكي الإستكباري في المنطقة وكل ذلك ببركة هذا الإحياء وهذا النداء وهذا الموقف الذي أطلقه الإمام الخميني(قدس سره) دعماً للقضية الفلسطينية.
ما سر جعل الإمام الخميني يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك ؟.
الإمام الخميني(قدس سره) فيه جنبة غيبية ولديه مدد عرفاني لا يصلهما إلا عباد الله المخلصون.ولعلنا لا نستطيع معرفة عمق هذا الجعل المبارك كي نعرف حقيقة وأبعاد الأمر بكامله وإن كان هذا لا يمنع من قراءتنا لبعض أبعاد هذا الجعل المبارك.فقد كان الإمام(قدس سره) يدرس واقع المجتمعات الإسلامية وأوضاعها كي يكون القرار الذي يتخذه قراراً مؤثراً فهو(قدس سره) يعرف جيداً الزمان والمكان المناسبين لاتخاذ المواقف والقرارات أو إطلاق التصريحات وإلقاء الخطابات لذا كانت خطواته المباركة تؤتي نتائجها وثمارها الصحيحة هذا من جهة،ومن جهة أخرى فقد كان الإمام(قدس سره) يعرف قدسية يوم الجمعة بالنسبة للمسلمين فما بالك في أن يكون في شهر رمضان المبارك وفي يوم الجمعة الأخير منه قريباً من ليلة القدر العظيمة المباركة التي يحييها المسلمون في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك فيكونون في أجواء إيمانية وأذهان صافية وقلوب مهيأة لتلقي مثل هذا الأمر.فاختياره لمثل هذا الوقت الذي يكون عقب ليلة القدر وقبل نهاية شهر رمضان ومجيء العيد اختيار مناسب وسديد فالناس مؤهلون قرب نهاية دورة الصيام لتلقي الأمور المتعلقة بدينهم ودنياهم أكثر من باقي الأشهر.والإمام(قدس سره) أراد استثمار أمر شهر رمضان وفيوضات شهر رمضان الإلهية خاصة والشياطين فيه مغلولة والأنفس فيه مقبلة على العبادات والأمور المتعلقة بالدين وبشؤون المسلمين كما أسلفنا .وها نحن نرى ثمار عمل الإمام(قدس سره) فالوعي يتجدد ويكبر يوماً بعد يوم بالقضية الفلسطينية وقضايا الأمة الهامة ،فالمجتمعات أخذت تنضج أكثر والمواقف تجاه الكيان الصهيوني أخذت تكون أكثر حدة وحزماً وصلابة واتجاهاً نحو المقاومة خاصة من محور الممانعة،وعلى الجانب الآخر أخذت مواقف محور التطبيع مع الصهاينة تنكشف ويفتضح أمرهم وأمر أسيادهم الأمريكان،وخير مثال على ذلك موقف السعودية ودول الخليج التي أصبحت اليوم مفضوحة أمام العالم الإسلامي الذي بات يميز جيداً بين من يدعو إلى تكفير الآخر وقتله،وبين من يقاتل ممانعاً للظلم والظالمين المستكبرين ومحامياً ومدافعاً عن المسلمين أينما كانوا.
وعن محوري ما تمثله القدس بالنسبة للمسلمين،ومدى نجاح الثورة الإسلامية بنصرة القضية الفلسطينية أجابنا الشيخ جاسم الساعدي مشكوراً
ما الذي تمثله القدس بالنسبة للمسلمين حتى يعطيها الإمامان الخميني(قدس سره) ثم الخامنئي(دام ظله) هذه الأهمية الكبيرة؟.
هنالك بعدان في الحقيقة لهذا الأمر:الأول:البعد الإسلامي من أنها أولى القبلتين،وثالث الحرمين،وفيها المسجد الأقصى المبارك الذي أسري بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إليه في ليلة الإسراء والمعراج،كذلك فيها مسجد قبة الصخرة،وحائط البراق.وفيها يصلي الإمام المهدي(عجل الله فرجه) والسيد المسيح خلفه إن شاء الله.ولا تشتمل أهمية بيت المقدس على المسلمين بل حتى النصارى واليهود وهذا متفق عليه بين جميع هذه الأديان.
البعد الثاني ليوم القدس هو البعد التضامني كون إن من يعيش في هذه المنطقة هم أخواننا الفلسطينيون وهم مستضعفون الآن تجب نصرتهم بالكلمة وبالموقف والسلاح للقضاء على الكيان الصهيوني ذلك السرطان الجاثم على قلوب المسلمين وبلادهم،وهي ضربة فكرية وإعلامية من الإمام الخميني(قدس سره) لإسرائيل التي تحاول أن تنسي المسلمين القضية الفلسطينية وتبعدهم عنها فأنتم اليوم على سبيل المثال عندما تسألون المشايخ الأفاضل في صحيفتكم توجهون ضربة للكيان الصهيوني والمتعاونين معه من قوى الاستكبار لأنكم تفضحونهم وتنشرون ما يودون ستره من قبيح عملهم وجرائمهم بحق الشعب الفلسطيني.وهذا هو اليوم نهج إمامنا الخامنئي(دام ظله) والجمهورية الإسلامية الإيرانية بالوقوف بوجه المستكبرين من الأمريكان والصهاينة.
وبهذه الصرخات في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك ستسقط إسرائيل ليس سقوطاً مادياً بل سقوطاً معنويا من خلال الإعلام المبارك الذي يتقرب إلى الله تعالى من خلال إيصال كلمة الحق إلى الشارع الإسلامي كي ينتشر يوم القدس أكثر وأكثر.وفي العام الماضي في مثل هذه الأيام المباركة من شهر رمضان كنت في برلين واشتركت في يوم القدس الذي كان يوماً حافلاً بحضور أدهشنا حتى أن الألمان تفاعلوا من القضية الفلسطينية واصطفوا معنا،وقد جاء يهود معارضون للصهيونية وللحكومة الاسرائيلية ونهجها واصطفوا معنا أيضاً.وكان العدد قرابة الـ 5000 مسلم خرج يضاف لهم الألمان واليهود المناهضون.وقد حدث تراشق بالكلمات بين المسلمين والمنضوين معهم وبين الصهاينة لكن الشرطة منعت الاشتباك بالأيدي.من هنا نرى بركات أعمال الإمام الراحل(قدس سره)،والإمام الخامنئي(دام ظله) الذي يقودنا باقتدار اليوم في وسط بحر عاتي الأمواج.
في ضوء المتغيرات الأخيرة على الساحة وظهور الإرهاب والإرهابيين الجدد إلى أي مدى نجحت الثورة الإسلامية الخمينية بقيادة خامنئية من نصرة القضية الفلسطينية ؟.
منذ أن قامت الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني(قدس سره) حتى وضعت نصب عينيها نصرة المستضعفين ومحاربة المستكبرين كهدف سام وأساس تسعى إليه وإلى تحقيقه ليس على صعيد الجمهورية الإسلامية فحسب بل في كل المعمورة. فأينما يوجد مستضعفون كان الإمام(قدس سره) يدعو إلى نصرتهم ومساعدتهم كي يستطيعوا المطالبة بحقوقهم ودحر المستكبرين الذين استولوا عليها.وقد كانت القضية الفلسطينية من أهم ملفات المستضعفين التي سعى الإمام(قدس سره) لحلها أو السعي في حلها وإلى نصرة أهلها وما أن حط الإمام في طهران وتمت الثورة الإسلامية على خير حتى دعا إلى يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة من شهر الله شهر رمضان المبارك كي يبقى هذا اليوم مستمراً ومتجدداً مع الأجيال ومذكراً إياها بما اغتصب من أرض المسلمين في فلسطين وضرورة جعلها قضية المسلمين المحورية.
ومن بعد الإمام الخميني(قدس سره) جاء الإمام الخامنئي(دام ظله) مسايراً لنهج الإمام الراحل ومكملاً لدوره القيادي في نهضة الأمة فالثورة الإسلامية اليوم ليست ثورة إيرانية أو شيعية بل هي إسلامية بكل ما تحمله الكلمة من معنى وإلا لما توجه الإمام الخميني (قدس سره) إلى نصرة الفلسطينيين وقضيتهم وهم ليسوا من أتباع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)،وهذا ما نلحظه اليوم وبتجل واضح في مسيرة الإمام الخامنئي(دام ظله) الداعمة لكل المسلمين وخاصة المستضعفين منهم. ويوم القدس العالمي اليوم أكثر انتشاراً وتوسعاً من أيام الثمانينيات والتسعينيات وحتى مطلع الألفية الجديدة إذ كان مقتصراً على الجمهورية الإسلامية وبعض الدول الأخرى كلبنان. لكن يحيي يوم القدس اليوم ويتفاعل معه أخواننا السنة ومن مختلف أطيافهم ومذاهبهم.
ومن مصاديق يوم القدس اليوم دعم إمامنا الخامنئي (دام ظله) وكل محور الممانعة فصائل المقاومة الفلسطينية من حماس وسواها وقد كان هنالك حرج من أخواننا السنة وعدم تقارب إلا أن السيد القائد(دام ظله) بحكمته وببصيرته الثاقبة سعى إلى التقارب وتلاقح الأفكار ما زال الكثير من هذا الحرج اليوم .وفي حقيقة الأمر هذه ضربة قاصمة لمحور الإستكبار الصهيو ـ أمريكي ولأذنابه من السلفيين والوهابيين ممن يحاولون اليوم اغفال القضية الفلسطينية وطمس معالمها وجعل الحرب الطائفية ـ التي يشنونها على شيعة أهل البيت(عليهم السلام) ـ شعاراً للمسلمين دون “الموت لإسرائيل” ولكن بحمد الله فقد كشفوا وفضحوا واليوم يقاتل الوهابيين والتكفيريين الإرهابيين أخوانُنا السنةُ بأنفسهم بعد أن انضموا لفصائل المقاومة والحشد الشعبي. ولم تتوجه للقضية الفلسطينية وبالذات ليوم القدس سهام استكبارية فحسب.
إنما جاءت أيضاً من داخل المذهب فهنالك حركات وبعض من يسمون أنفسهم مراجع ـ للأسف الشديد ـ أرادوا لآخر جمعة أن تكون تحت إسم “يوم الوفاء” ودعوا الناس فيها للذهاب إلى سامراء.والسؤال هنا لماذا حددوا آخر جمعة من شهر رمضان دون سائر الأيام؟! الجواب أكيد لضرب هذا اليوم المبارك.وعلى هذا يتضح لنا كيف أن هنالك أيدياً خفية تحاول ضرب يوم القدس لكن هذا اليوم لله وما كان لله ينمو.




