الجذور التاريخية للطائفية في العراق ودور المحتل الإنكليزي فيها

ثورة العشرين كانت نتيجة صراع طويل بين قوى الاستعمار البريطاني وبين الشعب العراقي المتمثل في مراجعه العظام ومسيرة العلماء الذين وقفوا صفاً واحداً لتحريره فأوقعوا بالمستعمر ضربات موجعة لم تكن بحسبانه … وأخيراً استسلم لما ألم به من الخسائر فقرر مكرهاً ترك العراق بعد أن يعطي البلد استقلاله. فهل ترك العراق؟ وترك شيعة العراق الذين طردوه ؟!
لقد ترك الاستعمار البريطاني للشيعة ما يعانونه حتى يومنا هذا مروراً بكل الأدوار التي جاءت لتحكمه باسم استقلال العراق، حيث يعيش الشيعة في غليان ثورات وحركات وإنتفاضات لمطالبتهم بحقوقهم السياسية التي فقدوها ولم يحصلوا عليها. ان شعب العراق يعاني في كل دقيقة من قمع وارهاب واضطهاد، وهناك مَن يعاني الغربة القاتلة، وفراق الوطن المذبوح بمدية الدكتاتورية، ويعاني كل شبر من رماله المضرجة بدماء الشهداء الأبرار، ومن أنين آلاف المسجونين، وتضور المعتقلين الذين لا يُعدّون، انها مأساة امة هي الغالبية في الساحة .. كل صور المعاناة المرهقة، وعلى مسمع من العالم الحر، ومرأى منه، وقد غفا الصمت المثقل بالهموم على شفاهه، وباتت الكلمة الجريئة مشنوقة على لسانه.
انهم يؤسسون جمعيات لحقوق الحيوان، ويدافعون عن مظلومية الحيوان وكيف يذبح الخروف، في الوقت الذي يُذبح فيه آلاف من البشر في العراق، وما من مؤسسة تدافع عن حقوقه المهدورة.
منذ ثورة العشرين والإنكَليز عرفوا ان الشيعة بالتحديد يشكلون غالبية العراق – في أكثر الاحصائيات الرسمية – في النسبة السكانية في العراق، فعمدوا إلى وضع دستور لتصعيد الأقلية إلى حكم البلاد وحرمان الأغلبية الشيعية من حقّها الوطني ويضعون التبرير السخيف لتحقيق مآربهم، لأنهم تكبدوا الخسائر من اولئك الشيعة الذين اذاقوهم العذاب في ثورتهم وحطموا شوكة الامبراطورية البريطانية وألحقوا بها خزياً وعاراً … فأصبحوا للشيعة أعداءاً.
وبعد أن خرج الإنكَليز مكرهين من العراق تركوا دستوراً ينفذ ارادتهم الحاقدة ويمنع الشيعة من الحصول على حقوقهم الوطنية فالشيعة لا تتمتع:
أ- بحق المشاركة في الحكم بالشكل العادل كما يتمتع به الآخرون، ولا يحق لهم صياغة القرار السياسي في وطنهم.
ب- كما لا يحق لهم اقامة شعائرهم وطقوسهم بحرية كسائر الأديان والمذاهب.
جـ- ولا يتمتعون بحق اقامتهم في بلدهم الذي ولدوا فيه، وبمناطق عيشهم التي قضوا فيها السنين الطوال.
د- ولا يتمتعون بحق المواطنة المتساوية، وممارسة حقهم في التعبير عن رأيهم إلى جانب المواطن الآخر.
هـ – وكذلك لا تمتعون بحق كونهم الأغلبية السكانية والتي تشكل الهوية الوطنية والقومية والثقافية للبلاد.
إذ يجري تمييز صارخ ضدهم – أي الشيعة – من أجل تغيير هذه الهوية بل في سحقها، ويجري على مر السنين ترحيل الكثير منهم إلى خارج الوطن بحجة واخرى والتشكيك بمواطنتهم، وتصفيتهم جسدياً والابادة الجماعية، ومحاولة مسخ التراث الثقافي والحضاري، وتدمير بنيتهم الروحية والعلمية، وتشتيت جامعتهم الدينية ومعاهدهم العلمية، كجامعة النجف، وحوزتها العلمية، والاعتداء على مرجعيتهم الدينية، وقتل علمائهم وتدمير وهدم مساجدهم، وحرق نفائس مكتباتهم، والاعتداء على مراقد أئمتهم المقدسة، وتغيير معالم مدنهم التاريخية.
هذه السياسة الطائفية الهوجاء هي جزء من الطائفية السياسية التي تمارسها الأنظمة المتعاقبة على الحكم في العراق على مر السنين، وفي جميع مراحل الحكام بين الصعود والنزول حسب متطلبات الظروف وطائفية الحاكمين. وفي الوقت الذي يقوم الشعب العراقي بانتفاضاته ورفضه للاستعمار وأذنابه ومعاهداته فمن ثورة العشرين إلى انقلاب بكر صدقي 1936م إلى انقلاب رشيد عالي الكَيلاني 1941م إلى وثبة بورتسموث 1948م إلى انقلاب محمد نجيب في مصر 1955م، ومأساة النجف واستئزار نور الدين محمود في 1955م، إلى المعارضة في حلف بغداد عام 1955م والعدوان الثلاثي على مصر 1956م، إلى الإنقلاب الجمهوري في 1958م ومنه إلى الوحدة بين مصر وسوريا من نفس العام، إلى الانقلاب الدموي البعثي الأسود في 1963م والانقلاب البعثي الأخير في 1968م وحتى يومنا هذا، تعطي النجف خاصة والشيعة عامة قرابين من الدماء بعلمائها وبمراجعها وشبابها وشيوخها نساءً ورجالاً وحتى اطفالاً.
وتحاول السياسة الطائفية هذه الظهور بمظهر الضحية لتبرير انتهاكاتها الصارخة لحقوق الانسان، وممارساتها الارهابية والقمعية ضد أبناء البلد الأصليين، وبالطبع فان السياسة تلك مرتبطة بطبيعة النظام السياسي، ونهجه وبعموم التقاليد الموروثة في المجتمع العربي، بغض النظر عن حجمها كماً أو كيفاً.
ورجوعاً إلى تاريخ جذور هذه المشكلة المؤلمة ودافعها الحقيقي، فقد كان هناك اتجاه سياسي تغلب على جميع الاتجاهات الأُخرى، وشكل بداية جديدة لظهور عرب المسلمين الشيعة على المسرح السياسي العراقي، فبعد انتهاء اضطهادهم من الدولة العثمانية، بدأ جهاد علماء الشيعة ضد المستعمر البريطاني من أجل الاستقلال، واقامة الدولة العراقية، ونهضوا بالقسط الأكبر من هذا الجهاد وبالكفاح الكبير من خلال تفجيرهم وقيادتهم لـ((ثورة العشرين)) أولاً، ثم من خلال مناداتهم بملك عربي انسجاماً مع عروبتهم ثانياً(50).
وقد اتضح بعد تقديم الضحايا والاستقرار على استقلاليتهم من خلال المرجعية الدينية في النجف، وفتاواها التي تجد صدى التنفيذ المباشر من جماهير الأغلبية الشيعية في جميع انحاء العالم الإسلامي. ومن جراء هذا الشعور الرافض للمستعمر البريطاني كرست سياسة تقديم الأقلية المؤيدة لقبول الأمر الواقع، على الأغلبية، وعوملت هذه الغالبية كأقلية مضطهدة عاشت أوضاعاً تعرضت فيها لا للتمييز في المعاملة – الذي لا تقرّه مواثيق حقوق الانسان – فحسب، بل لحملات تصفية جماعية وابادة شاملة.
ورغم ان العهد الملكي الذي جيء به بعد ثورة العشرين حتى عام 1958م، لم يشهد تصفيات جسدية لهذه الأغلبية كما حدث في الأزمنة من بعده، إلاَّ ان سياسة التمييز الطائفي كانت قائمة – حينذاك – وكانت أحد اسس النظام السياسي الذي قام على أساس من هذا التمييز الذي لم يغيره عهد في هذه الوزارة أو تلك، وتميزت بشكل واضح في المناصب الحكومية، حيث شكلت من عام 1920م وحتى تاريخنا الحالي وزارات ورئاسات كان نصيب الأغلبية الشيعية اشبه بالانعدام. كما تمثلت هذه الطائفية في البرلمانات أيضاً، واستمراراً في سائر مرافق الدولة، ومجالاتها الواسعة.
أما مركز سلطة الجيش والقوات المسلحة، فلم يكن للشيعة إلاَّ العدد الرمزي القليل جداً وذلك على هامش القوات المسلحة، وهو في الواقع ستار للتغطية الطائفية السياسية السائدة، والتي وضع اساسها القانوني (قانون الجنسية) الذي صاغه البريطانيون، حيث وزعوا السكان العراقيين إلى فئتين في تبعيتها هما ((فئة عثمانية)) في تبعيتها و (فئة ايرانية) في تبعيتها. مما يلغي أصلاً الأصل العراقي لسكان العراق، وقد أصبحت الفئة العثمانية تمثل السكان الأصليين للبلاد، وتُحد من بغداد إلى الشمال والغرب، أما الفئة الأخرى فتشملها مناطق بغداد إلى الجنوب والشرق، واستناداً إلى هذا التقسيم البريطاني كان يتم نفي المعارضة السياسية والدينية الشيعية إلى إيران، للتخلص من نفوذهم، وتأثيرهم في العراق، وهو الأساس الذي اتبعه بحذافيره نظام صدام منذ عام 1969م، في تهجير السكان العراقيين العرب الذين كان الكثير منهم يعمل حتى في القطاعات العسكرية والتجارية والدينية، والثقافية الاجتماعية. وحتى الاكراد شملهم هذا التقسيم ولحقهم أخيراً التركمان والآشوريون، وجرد هذا القطاع الكبير من حقوق المواطنة، ومصادرة مستمسكاتهم وأموالهم للتخلص من ثقلهم الاجتماعي والسياسي والديني، ومن ارتباط العراق بتاريخهم الطويل وبتشكيلهم الهوية الوطنية والقومية والثقافية للبلاد.
وقد حاول صدام بعد حملات التهجير القسرية للعراقيين فتح الباب لبعض مواطني الدول العربية لأستيطانهم مناطق الجنوب لتغيير الخارطة العراقية ولرفع نسبة الطائفية بعد منحهم الجنسية العراقية على حساب العراقيين الأصليين.




