ثورة العشرين .. هل حققت أهدافها..؟

محمد ناصر الفيلي
تمر هذه الايام الذكرى الخامسة والتسعون على ثورة العشرين .ثورة العراق الكبرى في 30حزيران عام 1920.وهي ثورة بكل أبعادها ومعانيها .فهي سياسة أهلية تلقائية.وهي بالفعل ثورة لانها قامت من الشعب ضد محتل غازي للخلاص منه,وانشاء حكم وطني مستقل .وهذا هو هدف شرعي وجذري يعطي الحركة صفتها الثورية الاصيلة ,وسياسية لانها لم تتجاوز الاهداف السياسية الى الاهداف الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ,لعدم النضج الاجتماعي والاقتصادي يومذاك.ولانها قام بها أفرادالشعب باموالهم وسلاحهم دون أي تدخل من قوات نظامية مسلحة ,لعدم وجود القوات المسلحة الوطنية انذاك .فهي ثورة أهلية وتلقائية ,لانها لم تتصل بخارج القطرباي شكل من الاشكال ,ولم تلق من الخارج اية مساعدة ودعم بأي شكل كان .
هذه هي حقيقة ثورة العشرين .وعلى هذا الاساس يجب تقييمها وتقديرها أو تحليلها ومعرفة النتائج التي ترتبت عليها .وهناك من يقيمها في ضوء ما يريده من الثورة تقوم اليوم بعد خمسة وتسعين عاما ,أو يحللها على أساس متطلبات المبادئ الحديثة التي لم يلن يومها معروفة في العراق ,أو يقدرها وفق المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية الجديدة التي يندر ان تقوم اليوم ثورة في الاقطار المختلفة على اساسها ,فهذا غير وارد ولا يصح الركون اليه .
الفشل الذي لم يذكره أي من المؤرخين ,حتى المؤرخين الرسميين .واذا كان (الحكم الوطني)الذي اعقب الثورة نتيجة فاشلة لها ,وهو فعلا نتيجة فاشلة ,ولكن ليس للثورة ,وانما لسلوك الذين تسلموا الامر من الثوار بعد مفاوضات ايقاف القتال وتوقيع اتفاقية الاستقلال .لان الثورة استوفت كل اهدافها الانية ,وحملت الانكليز عن العدول عن تفكيرهم الاخرق بالحاق العراق بالهند وحكمه حكما مباشرا,بل اضطرتهم الى الاعتراف باستقلال العراق وتاليف حكومة وطنية تتكون بموجب دستور يضعه مجلس منتخب .وفعلا تكونت حكومة من رجالات العراق المتمرسين في الحكم .ومن هنا أكلت كتف الثورة والثوار .فقد كان هؤلاء العراقيون أشد نقمة على الثورة والثوريين من الانكليز.وفعلا كانوا مصدر البلاءعلى العراق والعراقيين .
ان الثورة لم تفشل في ما هدفت اليه,لانها استمرت في حركاتها العنيفة وتضحياتها الكبيرة ,وتكبيدها الخسائر المريرة للمستعمرين الطغاة,حتى اضطروا لمفاوضة الثوار على اساس (حكم وطني مستقل استقلالا تاما ناجزا يقرر الشعب شكله في دستور يضعه مجلس تاسيسي منتخب).وكانت خبرة الثوار وقتها بالسياسة والحكم قليلة وبدائية ,فتركوا الامر لاهله من رجالات العراق المدربين على عهد الاتراك ,فكانت الطامة الكبرى .لقد استغل المستعمرون هذه الفجوة فجاءوا بعملائهم من العراقيين واستغلوا عواطف الشعب واحاسيسه الاسلامية ,فجاءوا بملك عربي من سلالة الرسول الاعظم(ص)واصطنعوا له حكومة من عملائهم القدامى والمحدثين ,جعلت تبطش بالوطنيين وتملأ بهم السجون والمعتقلات بالاضافة الى من نفتهم الى الخارج .
بعد ذلك استمرهؤلاء العملاء ومن جاء بعدهم ,في تقديم خيرات البلاد لقمة سائغة للاستعمار والمستعمرين متناوبين في تمثيل دور الحكم والمعارضة على مسرح السياسة الغاشمة في هذه البلاد .غير ان الشعب لم يستكن ,وانما استمر في جهاد دائم ضد الدخلاء وعملائهم .
من ذلك يتضح ,ان الثورة لم تفشل ولم يخسر الشعب معركة الثورة ,وانما خسر نتائجها على يد ابنائها الخبيرين بالحكم واساليب الحكم والاثراء عن طريق الحكم .فلو لم يتبرع اولئك العملاء بتنفيذ مخطط الاستعمار الغاشم بتاليف الحكومة الاولى بل والحكومات المتعاقبة لما تم للمستعمرين نهب خيرات البلاد والسيطرة عليها .ولو دققنا النظر في احداث هذه الثورة التى افقدت الاستعمار واطارت صوابه ,واخذنا بنظر الاعتبار ذهنية الثوار بل وذهنية الاكثرية الساحقة من العراقيين ووعيهم المحدود يومذاك ,لادركنا بان الثورة لم تفشل حتى في تعديل المطلب الاول للثوار ,والذي جرت عليه مفاوضات وقف اطلاق النار بادخال عبارة (يرأسها ملك من أنجال الحسين)لان الوعي الجمهوري لم يكن يومئذ من مدركات الثوار .وبذلك اصبح المطلب الاول من مطالب الثوار الحصول على الاستقلال للبلاد العراقية بحدودها الطبيعية عاريا من تدخل اجنبي في ظل حكومة وطنية يرأسها ملك من انجال الحسين مقيد بالدستور يضعه مجلـــــــــس تأسيسي منتخب.




