“اللوكاندة” الوالي عباس حلمي بسماته الرجعية والمتشككة

المراقب العراقي/ متابعة…
اتخذ الكاتب قراره السردي في روايته “اللوكاندة” بالتغريد خارج السرب فلم يجلس في موقع الراوي العليم ولم يمنح أحد شخوصه بطولة السرد المطلقة وإنما وزَّعه على “عليوة أبو زهرة”، و”الدكتور وليام براون”، و”مرجريت براون”، و”بدر الدين أباظة”، فتشاركوا سرداً ذاتياً في بناءٍ روائي متين.
تدور أحداث الرواية في عهد الوالي عباس حلمي الأول (1813-1854)، الشخصية الأكثر غموضاً بين الولاة الذين حكموا مصر من أبناء محمد علي، ولعل هذا الغموض الذي أحاط بشخصية الوالي الحقيقية كان أول أدوات التشويق التي اعتمدها الكاتب منذ اللحظة الأولى وحتى قبل الدخول إلى عوالم النص، ثم تداخلت وقائع التاريخ مع عوالم المؤلف التي خلقها خياله الخصب فتماهى كلاهما في سيمفونية منسجمة، لم يدرك أنغامها نشاز.
اقتنص الكاتب شخصية الوالي عباس حلمي بسماتها الرجعية والمتشككة، وجاء ببعض ما ذكره التاريخ عنه من إغلاقه المدارس، مناصبته المصريين العداء، محوه كثيراً من إنجازات الوالي الأكبر محمد علي باشا، وارتمائه في أحضان الإنجليز في مواجهة السلطان العثماني والصدر الأعظم. من هذه الوقائع وغيرها وضع ناصر عراق أعمدة روايته ثم مضى في غزل أحداث خيالية، وإن كانت نتاجاً لمعطيات تاريخية تبررها وتوسمها بحتمية التصديق.
تبدأ الأحداث في إحدى قرى بنها (في شمال القاهرة)؛ بالقبض على الفلاح “عليوة أبو زهرة” ليعمل في قصر الوالي متذوقاً للطعام ليكون كبش فداء لعباس باشا، في حال كان الطعام مسموماً. تستمر الأحداث في نسق زمني أفقي متتابع ومتدافع، باستثناء بعض المفارقات السردية التي تخللت النص وظهرت عبر ومضات من “الفلاش باك” والولوج إلى عوالم الذاكرة. حمل الكاتب الأحداث والحبكة الدرامية على متن لغةٍ وازَنت بين الجمالية والتحقق لدى القارئ، واستطاع من خلالها رسم الشخوص والأماكن بوصف بارع بمستوييه؛ الجمالي والتفسيري. “وقفتُ حائراً في بهوٍ مهيب تتكرر صورتي عشرات المرات. كأني أراقب نفسي. أرنو باندهاش إلى الصور المثبتة على الجدران. ثم لاحظتُ صندوقاً زجاجياً ضخماً به شيء يتحرك، فهالني حجم الثعبان الذي يتلوى داخله” صـ15.
ولم يلعب الوصف دور الاستراحة الزمنية في مسار السرد من أجل إبطاء إيقاعه فحسب وإنما كان دائماً وصفاً دالاً، فالكاتب حين يصف قصر الوالي بصوت “عليوة” بمهابة واندهاش فهو يشي بتلك الهوة السحيقة التي تفصل بين الوالي وشعبه وقدر ذلك الضيم والفقر الذي يعيشه المصريون راضين، وعندما يصف انعكاس صورته وتكرارها عشرات المرات يدل على الطبيعة المتوجسة القلقة لصاحب القصر، الوالي الذي يتوجس من كل من حوله ويتوقع الخيانة من الجميع.
كذلك جعل الكاتب من الوصف أداة للرمز ولتمرير الدلالات والإسقاطات، فهو حين يصف شخصية أدهم بك “الأرنائوطي”؛ يصور كِرشه الرجراج وشاربه المبروم وأنامله المكتظة الناعمة وفي المقابل يصف نحافة عليوة الفلاح المصري الذي خاصمته الدهون، ليبرز عبر هذه المفارقات حجم المظالم التي تعرض لها المصريون في هذه الحقبة بصيغة تلائم البناء الروائي.



