على غير العادة
هيام جابر /سوريا
كانت الساعة بعد العاشرة ليلا بقليل.
البرد شديد، والظلمة تعرش في الشوارع بشكل مخيف.
كل العادات المألوفة، كانت غير مألوفة هذا اليوم.
فالمحلات مغلقة، وحركة السير على الشوارع الدولية المحيطة بنا، خفيفة لدرجة الرعب.
بعزم وتصميم هيأت نفسي وذهبت اليها.
لم تكن تحتاجني، اعرف ذلك.
كانت ترقد في العناية المركزة… والدخول إليها ممنوع إلا تجاوزا.
غير الواجب، ثمة شوق استعر يومها دفعني للذهاب. فقد مضى يوما كاملا لم ارها. استجمعت ما تبقى بي من قوى خائرة بسبب الحزن والخوف و دخلت.
نظرت مليا إلى وجهها، وجهها المحبب . اقتربت منها.. وقفت مرة بجانب سريرها من اليمين،
ما لبثت أن ذهبت لليسار. لم أعد ادري ما سأفعل. انكببت امسد لها ارجلها.. على غير المألوف، لم تبد اي ردة فعل… تابعت..
انتقلت الى يديها ثم إلى وجهها.. إلى شعرها . سألتها..
اتريدين شيئا؟
أجابت لا..
تأوهت ألما
سألتها سؤالا اعرف إجابته
ماذا يؤلمك؟
بصوت خفيض أجابت كل شيء.
أردت أن أسمع صوتها فقط.
و على غير العادة ، لم أنظر إلى الشاشة المعلقة فوق السرير وإلى أرقام لا أفهم منها شيئا.
ربما لاني لمحت احد الأرقام متدنيا عن سابق الأيام.
ضاق نفسي.. بدأت افقد توازني.. خرجت مسرعة قبل أن أفقد مزيدا من نفسي.
لم أبق كما هو مألوف في بهو المشفى.
بل بكل تصميم عدت قافلة إلى البيت.
فقد أدركت اني لا أستطيع احتمال ألم أكثر على مقربة منها.
كانت درجات الحرارة توالي انخفاضها، و الظلام دمس أكثر وأكثر بكل ما يمتلك من لئم وعنجهية.
لكني سرت اجوب الطرقات الخالية وحدي دون احساس . ربما احساسي تجمد من البرد؛ و ربما دون شعور مني جمدته، لأستوعب انها تتألم بهذا الشكل المبرح، و لا أستطيع مساعدتها.
عندما وصلت البيت،
على غير عادتي شعرت اني يجب أن أنام رغم اني قد نمت على غير المعتاد في الظهيرة.
شعرت بعد إغفاءة قصيرة اني لست على ما يرام. نهضت.. درت في كل أنحاء البيت عن شيء مفقود، لا أعرف ما هو.
لكنني لم أجد ما ابحث عنه. بياس و أسى، عدت للنوم.
الجوال يصرخ قرب أذني. نحيب يقطع الهواء. اسم أختي التي ذهبت بعدي إلى المشفى لتبقى للصباح على الشاشة.
الساعة تشير إلى الثالثة والنصف.
الزمن يتوقف
العقارب تفرغ كل سمها في قلبي.
بكاء.. زعيق..
الأرض تهتز
الفجر _على غير العادة _ ينتحب.
فقد ماتت امي.



