محمود سعيد :« مفاتيح مدينة» تؤرشف حوادث تاريخية من بغداد الخمسينيات

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد محمود سعيد ان رواية “مفاتيح مدينة” أشبه بسكرية نجيب محفوظ، أما أحداثها فهي عراقية قحة، تجعلك ترى في شخصياتها نفسك وأهلك وتعيش مجتمعها ثانية، ولعل كون البطلة طفلة صغيرة ذكية، فمجريات أحداثها تحث القارئ على تتبع سيرورتها وتطورها. الرواية مجملاً تاريخ أسرة تفرعت، تفاعلت مع مجتمع أثناء حوادث تاريخية سلسة، طبيعية، لكنها حافظت على مقومات مجتمع كان قد بدأ بالتغير تدريجياً.
وأضاف في تصريح لـ(المراقب العراقي): ان أصغر شخصيات الرواية أمل، والرواية تخصها بالتفضيل في الكشف عن أحاسيسها، ورغباتها وتصرفاتها، وقوة شخصيتها، حتى لو أرادت أن تجمع بين شمس مشرقة، وعلى بعد منها قمر منير، فهي تستطيع، لم لا، بهذا تعاند أياً كان، أباها، أمها، أخاها، وتصر على رأيها وتعلن بصوت عال إضرابها عن الزواج عندما تكبر، على الرغم من كونها لم تتجاوز السابعة، ولا يهمها، من يعارضها، ولا تلتفت لنصائحه.
وتابع :تتناول الرواية عائلة بغدادية في الخمسينيات، في أوج تغير المجتمع سلمياً، بغض النظر عن وجود عادات وتقاليد، تكرست وفق مئات السنين في هذه المدينة العريقة، ولهذا تميزت أحداث الرواية بالعادية، الطبيعية، التي تخلو من انفجارات فاصلة، عنيفة، فلا مظاهرات تقطع شوارع بغداد وبقية المدن، وتهز البلد، وتزعزع كرسي الحكم، ولا انقلابات يقوم بها جيش ساخط، تخرج سراً من المعسكرات، ثم تعلن عن نفسها بعد الاستيلاء على المرافق العامة وتسيطر على دست الحكم، ولا أحكام عرفية، أو محاكم خاصة، ولا موجات قتل وإعدامات، بل مجتمع ناس عاديين يكافحون بصبر لتحسين أوضاعهم المادية، وفق عادات مجتمع اعتادوه وسكنوه.
واستطرد :عندما أشارت هيفاء زنكنة إلى قول شكسبير في أوّل صفحة «ما هي المدينة إن لم تكن الناس»، ظننت أنها تضعها استئناساً وحباً ببعدها النظري وحسب، كما يفعل الكثير من الكتاب الآن، لكنني اكتشفت أنها عنت ذلك بعمق فلسفي مدروس، فبغداد لم تبقَ نفسها، التي خلقها المنصور، بل تتغير كتغير ناسها، من حيث لا يلحظ أهلها ذلك، ومن حيث لا يتوقع دارسها، ومؤرخها أيضاً.فالرواية عن ذكريات لا تنسى، وسواء أرادت أم لا، فقد كانت منصاعة إلى الوقت الذهب، الذي مرّ به المجتمع العراقي منذ الأربعينيات حتى نهاية الستينيات، فهذان العقدان لمن عاشهما لا يمكن أن ينساهما، فيهما بدا العراقي فرداً ومجتمعاً في أبهى صوره، وأسماها، وأفضلها، ومن عاش تلك الأوقات لا أظن أنه سينساها بسهولة. مجتمع مسالم متعاطف، إنساني رحيم، يظلل به الكائنات العاقلة كلّها، هذا هو المجتمع الذي كانت تعيش فيه تلك «هيفاء» الطفلة وعائلتها وعالمها المسالم.
وختم :كان من الممكن ان تنحرف الرواية إلى مسار عنيف ينبئ بصراع شديد، لأن والد أمل يرنو دائماً إلى توسيع عمله، ومضاعفة دخله، وبناء دار حديثة له، ولذلك تقلّب في غير مهنة، ثم استقر على تجارة القماش، ولأنه يجيد الكردية والتركمانية، إضافة إلى العربية فقد أقام علاقة عمل مع «أغا جن»، وهي أرملة إقطاعي، غنيّة متنفذة في كردستان «قلعة دزة»، ولأنه مجدّ صادق، فقد توطدت العلاقة معها، فأخذ يقضي ثلاثة أشهر في بغداد، ومثلها في كردستان، وحين ولدت أمل كان هناك، وخلال تلك المدة أدرك هو أيضاً أن موجات تجارته معها أغرقت قلبه، فبدأت الشكوك تغزو لا قلب زوجته وأهلها وحسب، بل قلب «أغا جن» بالشكوك. آنذاك صارحته بخوفها من عواصف الفضائح المتوقعة، لتنتهي المغامرة عند هذا الحد، لكنها أبقت في ثنايا قلبه، ذكرى متعة فريدة، للقاء حميم مؤقت مع أي أنثى أخرى تصادفه في مكان ما.



