زهير الجزائري: من المعارك بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني انطلقت شرارة كتاباتي

المراقب العراقي/متابعة…
ولد في النجف وعاش طفولته فيها متأثراً بناسها، وتشرب روح أماكنها، روائي وكاتب صحفي وباحث ميداني؛ درس الأدب الألماني في كلية اللغات جامعة بغداد، ودرس اللغة الانجليزية في جامعة كامبردج انجلترا.. مر بسلسلة منافٍ قسرية عبر بلدان عدة ليستقر بعدها في لندن انه زهير الجزائري الذي لم يغادره العراق حتى في أحلامه وتفاصيله طوال وجوده في لندن لأكثر من ٢٦ سنة.
يقول زهير الجزائري في تصريح لـ (المراقب العراقي ):كل أحلامي ليس فيها أي مكان أو تفصيل للندن أبداً.. دوماً أحلم بالعراق وكيف وصلت ليلاً وأنا أشعر بالخوف من ضوء الصباح متخفياً في مكاني وتائهاً أريد أن أجد بيتي، ولم أكتب عن لندن سوى بضع صفحات في كتاب «حرب العاجز» وهو كتاب عن عودتي إلى العراق.
وعن بداية رحلة منفاه يقول: «غادرت العراق ١٩٧٩ بجواز سفر أردني مزور، كانت لبنان أول محطة لمنفاي.. وخلال المنفى بدلت الكثير من المنافذ والبلدان قبل الاستقرار في لندن.. حيث سكنت خمسين بيتاً تقريباً. فحياتي في المنفى هي سلسلة انتقالات. كنت في كل منفى جديد اقوم بتأسيس مكتبة وبيت ثم اقتلع من مكاني مجبراً وهكذا.. لم استقر في مكان واحد.. وبقيت أحاول الاستقرار مما ولد لدي انوستالجيا للمكان وهاجساً وحنيناً إلى الأماكن السابقة التي تركتها.. محاولاً استعادة الذكريات المتقطعة للأمكنة.
عن بداياته الروائية وولوج عالم السرد كانت «المغارة والسهل» أول رواية له، وهي عن حدث حصل بالتزامن مع أحداث ايلول ١٩٧٠ الحرب والمعارك في الأردن بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني.. يقول عن أحداثها: «كنت حاضراً الحدث وشهدت انسحاب المقاومة والانعكاسات النفسية لهزيمة المقاتلين. وحوادث ايلول كانت أول دراما أعيشها شخصياً واثرت بي المشاهد كثيراً.. مشاهد المستشفى. وويلات الجرحى فيها ظلت في ذاكرتي تراودني ككابوس ومشاهد القتال في الخارج أيضاً وهذا القوس النازل من الايمان بالنصر إلى الهزيمة والحالة النفسية التي سيطرت على المقاتلين الفلسطينيين كانت شرارة كتابة الرواية بعد سنة من هذه الأحداث حيث كتبتها ورجعت إلى العديد من الوثائق التي نشرت وقتها لكي أجعل الحدث ليس فقط شخصياً انما لشخصيات عديدة.. وهكذا لا أحب صورة الهجوم والعام والشامل في الحرب.. انما دائما ارصد الثمالة المرة للهزيمة في كتاباتي.
ويستطرد الجزائري: وكل تجاربي على الجبهات كنت استبعد فيها البطولة الخارقة وأحاول أن أترصد نقاط ضعف الإنسان وهو على حافة الموت، فرواية «المغارة والسهل» عن مقاتلين مهزومين.. وانعكاسات الهزيمة في سلوكهم ومحاولاتهم والكبرياء والتواصل فيما بينهم.. في أغلب الكتابات لم أركز على الجبهات العريضة للحرب انما ركزت على الجانب الإنساني للفرد وتردداته وهي هاجسي في كتاباتي ولي كتب عن شخصية الدكتاتور أو المستبد التي استغرقت» ١١ سنة «من حياتي في البحث والكتابة.. وكتابي «المستبد» الذي هو دراسة عن الدكتاتورية الشرقية وفي رواية «حافة القيامة» و كذلك «الخائف والمخيف» درست أيضاً المستبد ككائن إنساني وحاولت إلى حد بعيد التركيز على خصائصه الشرقية بعيداً عن نموذج أمريكا اللاتينية.
وعند سؤاله عن كتاب النجف الذاكرة والمدينة وماهيته حدثنا عنه بقوله: «عدت للنجف بعد ٢٥ سنة وهي مكان الولادة.. خلال فترة المنفى قرأت كتباً عن المدينة ولكن ما قرأته عنها في الغالب هو وصفها مع هالة من التقديس التي تطغى على التفاصيل الحية فيها. حاولت في الكتاب تجنب المقدس ووضعه في انعكاسات الحياة اليومية لمدينة ذات خصوصية وتمايز. كونها مركزاً دينياً وتجارياً. وتناولت شخصيات قريبة من عائلتي أعرفها.. وهي سيرتي كطفل ومراهق وسيرة مدينة.. الأجيال الجديدة التي بالمدينة والمهاجرة.. لم تعرف المدينة التي أتحدث عنها.
وتابع :في رواية «باب الفرج ذهبت أبعد من مسيرتي الشخصية وأبعد من مسيرة أجدادي.. ففيها أحداث النجف من ١٩٠٦ إلى ١٩١٩ فترة شهدت احتلالين عثماني وانجليزي وكيف انعكست على الحياة وشخصيات المدينة في تلك الفترة وتناولت حوالي ٢٦ شخصية في الرواية قسم منها حقيقي وقسم آخر مركب.. تناولت فترة زمنية طويلة لأكثر من عشر سنوات حاسمة في تاريخ العراق عن تجربة لم أعشها أبداً فاعتمدت على كل الوثائق والمذكرات وكل مخيلة حاضرة كانت تريد أن ترى المدينة وكيف كانت وكان الحدث والمزج بين المخيلة والوثيقة وبالتزاوج بين الذاكرة الخاصة والذاكرة الجماعية الاجتماعية للتاريخ ما هو اجتماعي يتحول إلى شخصي وما هو شخصي يتحول إلى اجتماعي.. والراوي في روايتي هذه يطير فوق المدينة يتخيل ذلك ويرى الأحداث من الأعلى ضمن خارطة واسعة جغرافياً واجتماعياً.. والأساطير والمعتقدات في مدينة دينية تصبح معاشة وجزءاً من الحياة اليومية لها.



