ثقافية

غوته.. كولومبوس الثقافة الإسلامية بالنسبة لأوروبا

المراقب العراقي/ متابعة…

نشر الشاعر الالماني غوته كتاب “الديوان الغربي – الشرقي” عام 1819، يشهد على “نشوء ظاهرة مدهشة في الأدب العالمي، هي تكوّن توليف غربيٍّ – شرقيّ في الأدب””الوقت الذي تستوعب لغتنا (الألمانية) مؤلفات الشرق بحرصٍ كبير، سنكون قادرين على شدّ الانتباه إلى تلك الوجهة، حيث يصلنا منها، على امتداد آلاف السنين، ذلك الكمّ الهائل من الروعة، الخير، ومن حيث يمكن يومياً توقُّع وصول المزيد”.

يعتقد الباحثون في إبداعات الشاعر والمفكِّر الألماني العظيم أنّه أمضى خمس سنوات في إنجاز عمله هذا.

وعلى كلّ حال، كتب غوته في أيار/ مايو 1815: “منذ فترةٍ طويلة وأنا أعمل خفيةً على دراسة الأدب الشرقي، كي أتعرّف عليه عن كثب، وإنني ألّفت الكثير من الأعمال المصبوغة بروحه. وتتلخّص نيَّتي بأن يتمّ، بصورةٍ طوعية، توحيد الغرب والشرق، الماضي والحاضر، الفارسي والألماني، بحيث تتغلغل الطباع وطرق التفكير في بعضها بعضاً”.

لم يكن نداء غوته مفاجئاً، لأنّ الأسباب قد سبق أن وضِعت قبله بوقتٍ طويل على المستوى النظري والفلسفي، حيث بدأت عملية تشكيلها في القرن الثامن عشر، وبدرجةٍ ما، كانت ملامحها قد ارتسمت في نهاية القرن السابع عشر. وحتى قبل غوته، عرف الأدب العالمي لعبة الأقنعة الشرقية، وتطعيم الشعر بزركشاتٍ شرقية – صور ونماذج وشخصياتٍ، وخاصةً في كثير من الأحيان مع الزخرفة، أي سمات الشرق الخارجية. بيد أنّ مأثرة غوته كانت في إكسابه الدراسة والترويج للتراث الشرقي طابعاً ممنهجاً، كما لو كان يغرسه في شجرة تجربة الأدب الغربي، ليكون أول من صاغ مفهوم “الأدب العالمي”.

في عام 1827، واستناداً إلى خبرة عمله على “الديوان الغربي- الشرقي”، يقدم غوته تفسيراً للمفهوم التالي: “ما أسميه الأدب العالمي، يظهر غالباً عندما تتماشى (العلامات المميزة لشعبٍ ما)، عبر التعارف مع غيرها من الشعوب والأحكام عنها”. ويتابع: “إنني على قناعةٍ أنّه يجري تشكيل الأدب العالمي، وأنّ جميع الدول تتوق إليه، ولهذا ستتخذ إجراءاتٍ وديّة”. ويمكننا أن نتفق مع الناقد الأدبي الروسي براغينكسي عندما كتب: إنّ نشر كتاب “الديوان الغربي – الشرقي” عام 1819، يشهد على “نشوء ظاهرة مدهشة في الأدب العالمي، هي تكوّن توليف غربيٍّ – شرقيّ في الأدب”.

ووفقاً لبراغينكسي، فإنّ غوته لا يظهر في “الديوان الغربي- الشرقي” كـ”مراقبٍ خارجي، بل كخليفةٍ مبدع لأعظم إنجازات شعراء الشرق، وبشكلٍ خاصّ للشعراء الناطقين باللغة الفارسية”. يتفق وهذا الرأي خبيرٌ آخر بإبداعات غوته، وهو أحد ناشري الترجمة الروسية للديوان: “من الصحيح جداًالحديث عن بدايات “تركيب/ اندماج” الغرب والشرق في ديوان غوته، وعن تقاربٍ فريد بين الشعر الألماني والفارسي، والتداخل بينهما، وعن اندماج مبادئهما”.

“في ديوان غوته، تتحد بشكلٍ عضويٍّ التقاليد الأدبية الغربية والشرقية، وبأنّ الشرق والغرب يمثلان ثقافاتٍ أدبية– تاريخية مختلفة”تبين أنّ الشعراء السبعة الرئيسيين الناطقين بالفارسية (وهم: الفردوسي(1)، الأنوري(2)، نظامي(3)، الرومي(4)، السعدي الشيرازي(5)، حافظ(6)، جامي(7)، وكذلك عنصري(8)، وحقاني(9)) المصنفين بحسب الباحث الألماني كوزيه هارتينفي، كانوا في مركز اهتمام غوته في مؤلفه “الديوان الغربي – الشرقي”. وبالطبع، فإنّ فهم غوته للشرق وفارس بشكلٍ خاصّ مرتبطٌ بدرجةٍ كبيرة بمستوى المستشرقين في عصره. ومع أنّ غوته كان قد درس اللغة العربية، لكنه لم يستطع بطبيعة الحال قراءة المؤلفات العربية المعقدة في القرون الوسطى، فما بالك بالمؤلفات الأدبية الأصلية باللغة الفارسية. لهذه الأسباب، اعتمد غوته على أعمال معاصريه – المستشرقين. ومن هؤلاء بالتحديد اغترف غوته المواد الفعلية للجزء التاريخي من ديوانه. ويجب القول إنّ مدرسة الاستشراق الألمانية، والروسية بالطبع، كانتا الأفضل عالمياً في ذلك العصر.

 

في ديوان غوته، تتحد بشكلٍ عضويٍّ التقاليد الأدبية الغربية والشرقية، وفيه أطلق غوته فكرته المبدعة، في حينه، عن الأهمية العالمية لهذا الاتحاد، دون أن ينسى بالطبع أنّ الشرق والغرب يمثلان ثقافاتٍ أدبية– تاريخية مختلفة.

يتضمن الكتاب كثيراً من الأبطال الحالمين. وفي الحقيقة، فإنّ كل قصيدة شعرية تحتوي بطلاً ما. بيد أنّ أهمّ بطلٍ بينها هو الشرق نفسه، بكلّ تنوّعه وفرادته، بغموضه وشغفه. ومن المعروف أنّ الشعر الشرقي يتميّز بتعقيده، ولغته المجازية. وهنا نشهد كيف يتم التعبير عن أكثر المفاهيم الخرافية البالغة الدقّة بشخصيات بسيطة تعاني من مشاعر العشق والغرام. ويرى غالبية الباحثين أنّ أول وأهمّ ناقلٍ لفهم العبقري الألماني للشرق كان الشاعر “حافظ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى