أول فهرست لكتب بغداد في العصر الحديث
أول فهرست أي أول تعداد لخزائن الكتب او ما يسمى المكتبات في بغداد ولا سيما الكتب الموقوفة في خزائن الجوامع بشكل عام لعدم وجود مكتبة في بغداد بالمعنى المعروف للمكتبة، وقد بلغ عدد الكتب في هذه الخزائن 4553 كتاباً ، معظمها من المخطوطات، ما يزيد من قيمتها وفيها ما هو نادر الوجود وعظيم الفائدة، وتتفاوت طريقة الفهرسة بين أجزاء الكتاب تفصيلا واقتضابا، ذلك ان أشد ما عني به أهل بغداد خلال تاريخهم الحافل هو انشاء الكتب وابتكار سبل حفظها وتجليدها وتعيين الحفظة والقوّامين عليها والتشجيع على تكثير نسخها.
وكانت أول احصائية للكتب قام بها السيد نعمان خيو الدين بن العلامة أبي الثناء الالوسي البغدادي المولود ببغداد والذي أخذ علومه من والده وتأثر به، وهو الذي تولى القضاء في بلاد عدة ثم قصد الحج، وفي طريقه طبع كتاب والده المشهور (روح المعاني). ولعلمه فقد عيّنه السلطان العثماني عبد الحميد رئيساً للعلماء وألف عددا من الكتب في العقائد والمواعظ واللغة والادب، وقد تولى اجراء هذا الاحصاء سنة 1878م، وقد بلغ الكتاب 147 ورقة في كل صفحة 21 سطراً، ويتناول الكتاب احصاء عشر خزانات أي مكتبات لبعض مساجد بغداد ومدارسها، وليس جميع المكتبات الموجودة في بغداد. ولكن كان ما اختاره ووضعه محلاً للفهرسة والإحصاء هي الخزائن الكبرى والأشهر في بغداد في تلك المدة، وهي خزائن كتب المدرسة المرجانية، ومجموعة العلامة السيد نعمان خير الدين الآلوسي، أو ما يسمى بالمكتبة النعمانية، وخزانة كتب جامع الصاغة، والمدرسة الطبقجلية، والإمام الأعظم، والمدرسة العليَّة، والمدرسة القبلانية الملحقة بجامع القبلانية، ومكتبة جامع الوزير، ومكتبة المدرسة المرادية، والمدرسة العمرية التي أنشأها الوالي عمر باشا سنة 1679م، وجامع الفضل. وقد توزع الاحصاء على عدة فنون هي الكتب الالهية والتفسير والقراءات والحديث والعقائد وأصول الفقه وفقه الاحناف والموالك والحنابل والشوافع والشيعة وغيرها، والتصوف وآداب البحث والوضع والاشتقاق والنحو والصرف والادب والعروض والتاريخ واللغة والحساب والفلك والآلات المجسمة.
وكان هذا الشكل من الفهرسة في بعض المكتبات وليس في جميعها، وكانت خزانة كتب مؤلف الكتاب السيد نعمان الآلوسي الاكثر دقة في الفهرسة من بين المكتبات التي احتواها الكتاب. واذا استثنينا خزانة المدرسة المرجانية إذ إن أغلب كتبها تحوّل الى مكتبة الاوقاف، فان أغلب الكتب التي تمت فهرستها قد تفرّق وفقد خبره. وكانت الفهرسة التي تمت ذات فائدة في التعرف على مصادر الثقافة والمعرفة ببغداد في العهد العثماني، ويكشف ما كانت تزخر به المكتبات من نفائس الكتب، بالاضافة الى ان ذلك كان أول محاولة جادة لحصر تراث بغداد من الكتب. وهي وان أعوزتها الدقة وتخللها شيء من التقصير فإن لها قصب السبق وشرف الريادة في فن الفهرسة ببغداد.
ونجد في بعض المكتبات المذكورة ان مكتبة مجموعة العلامة نعمان الآلوسي ان رشيد حلمي معروف الانكرلي أوقف داراً في محلة جامع عطا على ذريته، ثم على لوازم مكتبة جامع مرجان ببغداد من تجليد الكتب وشراء الكتب الجديدة، وقد بلغ عدد الكتب المفهرسة في مكتبة جامع الصاغة 60 كتاباً سوى الكتب المطبوعة. ويذكر السيد محمود شكري الآلوسي ان في هذا الجامع خزانة كتب تشمل على مخطوطات قديمة العهد وكثير منها تلف بتناول اليد، ويذكر عن المكتبة في المدرسة الطبقجلية بأن كتبها عديمة المثال، وقال ان منشأ هذه المدرسة السيد محمد بن السيد أحمد أفندي الحموي الحديثي ثم البغدادي الطبقچلي أوقف 285 مجلدا من الكتب، وحينما نقلت محتويات المكتبة الى مكتبة الاوقاف لم يكن قد بقي من الكتب غير 77 كتابا فقط. وفي مكتبة جامع الإمام الاعظم أبي حنيفة النعمان يقول ان فيها خزانة حافلة بالنفيس من مصادر المعرفة، وردت أخبارها في تراجم العلماء الذين وقفوا عليها أو أفادوا منها، وبلغ عدد الكتب 406 كتب، ولا يشمل جميع ما كانت تحتويه الخزانة. أما المدرسة العليَّة نسبة الى مؤسسها والي بغداد العثماني علي باشا المدفون فيها سنة 1762 م فلقد بلغ عدد كتب خزانتها 64 كتاباً، وهذا الرقم جزء يسير مما احتوته الخزانة المذكورة التي فقدت بأجمعها عند تحويل المدرسة الى مدرسة للصنائع زمن الوالي مدحت باشا. وان كتب المدرسة القبلانية الملحقة بجامع القبلانية كانت 208 كتاباً، وضمت خزانة كتب جامع الوزير 126 كتاباً، وأحصى من كتب المدرسة المرادية الملحقة بجامع المرادية 188 كتاباً، وأحصى من كتب المدرسة العمريه 52 كتاباً، وضم جامع الفضل منذ انشائه خزانة كتب كبيرة فيها أنواع الكتب مخطوطة وغير مخطوطة وعيّن لها محافظا يتولى شؤونها وأحصى من كتبها 185 كتاباً، الا ان الكتب تبددت.ولو اتخذنا من الكتب التي أوقفها السيد نعمان الآلوسي واتخذنا فقط من الكتب الصوفية التي كانت في هذه المكتبة بحدود 90 كتاباً، منها مثلاً: إحياء علوم الدين للغزالي، وتبصرة إبن الجوزي ومختبرها، وتحفة العباد وأدلة الاوراد ورياض الصالحين للنووي، والطريقة المحمدية للبركوي، وغالية المواعظ ودرة الواعظين والدرر واللآلئ في فضل الايام والليالي للحنبلي، ونُزُل الابرار في الاذكار لصديق خان، والنصف الاول من تبيين المحارم والفيوضات الاحسانية شرح الاوراد البهائية وشرعة الاسلام ومنهاج العابدين للغزالي، وغنية الكيلاني، وخطب بن نباته، والداء والدواء لإبن القيم، والفتح الرباني للكيلاني، وفصوص الحكم للشيخ الاكبر، والاجوبة المرضية عن الفقهاء والصوفية ورسالة في اثبات رابطة النقشبندية والعهود للإمام الشعراني، والرسالة القشيرية والفتوحات المكية والعناية الربانية في ملخص الطريقة الرفاعية ودرة الواعظين وشرح فتوح الغيب للشيخ الفارسي، ورسالة في الطريقة الشاذلية ومجموعة في آداب المريد واثبات الكرامات والجواهر للغزالي، والقواعد المرعية في الطريقة الرفاعية وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وروضة الناظرين وخلاصة مناقب الصالحين للوتري، وغيرها مما كان في المكتبة من الكتب ذات العلاقة بالفكر الصوفي فقط، وغير ذلك كثير من الكتب في الفروع الأخرى.



