اخر الأخبار

شرخ في الذاكرة المحلية

سبقت مدينة بغداد أغلب نظيراتها من عواصمِ بلدان المنطقة في ركوبِ موجة المعاصرة التي طرقت أسوار هذه المجتمعاتِ بنسبٍ متفاوتة على خلفيةِ انهيار إمبراطورية الرجل المريض. ولأن بغداد كانت عاصمة الخلافة الإسلامية، وحاضرة الدنيا في سالفِ الزمان، فإن تمدنَها كان يتجددُ عبر العصور بفضلِ عطاءات أبنائها. وعلى الرغمِ من شدةِ وطأة جراحات مدينة السلام وعظمة مكابدات أهلها، فإن عبقَ ماضيها ما يزال يوشح حاضرها بمعالمِ الرقي والمدنية والإبداع، ما يلزم أهلها وولاة أمورها الإسهام بفاعليةٍ في مهمةِ المحافظة على موروثِها الثقافي والحضاري، بوصفه أحد عوامل إعادة الألق إلى مدينةِ العلم والأدب والثقافة والفنون، إلى جانبِ العمل على إزالةِ ما يتجاسر على هيبتِها وكرامتها الثقافية والعلمية والتاريخية والحضارية والعمرانية والفنية.

تتفرد بغداد عن كثيرٍ غيرها من العواصمِ والمدن بسعةِ إرثها الحضاري والثقافي، فضلاً عن عمقِ امتدادها التاريخي الذي يتجسد بآثارٍ وشواخص وبقايا عمران تشكل بمجموعِها وثائق مادية لو قدر لها أن تكونَ في إحدى مدن البلدان المتقدمة، لكان لها شأن آخر، إضافة إلى إمكانيةِ توظيفها على وفقِ برامج منظمة في زيادةِ الناتج المحلي الإجمالي الذي بمقدوره المساهمة بتدعيمِ الاقتصاد الوطني، فالدور والمباني والأسواق والخانات والحمامات الشعبية وغير ذلك من الشواخصِ التراثية التي جرت إقامتها بفضاءاتِ المدينة في عهودٍ مختلفة، تشكل جزءاً من موروثِها الإنساني الذي ما يزال بعضه حاضراً في حياتِها العامة. إذ أن كثيراً من هذه المعالم القديمة التي يعود تأريخ إنشائها إلى بداياتِ القرن الماضي ماتزال قائمة تواجه عاديات الزمن من دونِ الحاجة إلى أعمالِ صيانة تقتضيها مهمة إعادة تأهيلها، إلى جانبِ دقة فعاليات إنجازها وجمال تصاميم واجهاتها التي تسحر الناظر بسببِ تفوقها في كثيرٍ من الجزئياتِ الحرفية المعتمدة في أسلوبِ العمارة المستخدمة حالياً بأعمالِ البناء.

إن شواخصَ العاصمة بغداد العمرانية التي تحكي للأجيال عظمة دوافع تجدد مدينة طالما ابتليت بالغزوِ والاحتلال وهي تتشبث بالحياةِ وتتطلع إلى آفاقِها الرحبة، وقعت أسيرة الإهمال الذي اضر كثيراً ببعضها، إضافة إلى ما أزيل منها لإقامةِ محلات تجارية وصناعية على وفقِ الطراز المعماري الحديث السائد حالياً في البلاد. ما يعني أن استمرارَ الإهمال بهذه المواقع سيعرض المدينة من دون أدنى شك إلى فقدانِ هويتها المعمارية والحضارية، واندثار كثير مما سجلته ذاكرتها عبر العصور بمختلفِ معطياتها، حيث أن الأهميةَ التاريخية والعمرانية والتراثية والثقافية التي تشكلها معالم المدينة، تفرض على أمانة بغداد وغيرها من الجهاتِ المعنية الاهتمامِ بهذه الثروةِ عبر استخدام أفضل الوسائل التي تضمن الحفاظ عليها، ولاسِيَّمَا إصدار التشريعات القانونية التي تحرم العبث بها أو إزالتها، فضلاً عن تحديد الإجراءات الضابطة لإدامتها وديمومة وجودها.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى