اخر الأخبار

الحاجة الى حملة وطنية للتلقيح ضد الأمراض السياسية؟!

ثمة من يعتقد أن حلول جميع مشكلات العراق، تكمن بالذهاب نحو تشكيل الأقاليم، وأن في هذا الحل وسائل للتخلص من صداع النزاعات السياسية، بين «الدولة» المركزية و»حكومات» المحافظات، و يدعم الذاهبون نحو هذا الإعتقاد آراءهم، بقولهم إن الدستور النافذ، نصَّ على أن توصيف الدولة العراقية بأنها فيدرالية..
بالحقيقة أن مثل هذا الإعتقاد، ينسجم مع المنطق وسليم الى حد بعيد، وهو يلقى رواجا؛ في كثير من الأوساط السياسية والشعبية، فضلا عن أن هناك «تفهماً» ودعماً خارجياً له، لأنه يساهم في تحقيق أجندات أطراف دولية عديدة، برغم تناقض مصالحها في العراق.
حتى الذين كانوا يقفون بالضد؛ من أطروحة الفيدرالية والأقاليم، تراجعوا عن مواقفهم؛ واكتشفوا أن الفيدرالية حل عادل، وهذا ما يدفعنا بأن نقول إن شرائح المجتمع أكثر قناعة بالأقاليم الآن..والى هنا كل شيء سليم، إذا حصل التطور في نظام الحكم؛ بشكل تدريجي تصاعدي سلس!
ما هو ليس سليماً، ومع رأس كل سنة، حينما يحين موعد إقرار الموازنة السنوية، من البرلمان، حينما تتحول «الدعوات» الفيدرالية والأقلمة، الى «صيحات» محتقنة، القصد منها ليس الفيدرالية أو الأقاليم بحد ذاتها، ولكن تحويل مناقشات مشروع الموازنة، من قضية مهنية ترتبط بأوجع الأنفاق الحكومي وأبواب الصرف، الى عملية سياسية بحتة، توظّف من خلالها مناقشات الموازنة لأغراض سياسية وانتخابية !
الحقيقة التي يتعيّن أن نتوقف عندها طويلا، هون أن هذه الصيحات المحتقنة، هي نتاج مشكلات جوهرية، لا يحلها مشروع واحد؛ كمشروع الفدرالية أو مشروع الأقاليم، أي أقلمة المناطق المحتقنة وتسليمها الى ساستها، مع تأمين موارد مالية مركزية دائمة، ووضعها تحت تصرفهم؛ لكي يلعبوا بها كما يشاؤون، أي «شاطي باطي» كما يقول مثلنا العراقي.
بتفصيل أكثر فإن الأنبار محتقنة؛ ويجب التخلص من الإحتقان حسب الأطروحة المطلبية؛ بأن تتحول الى إقليم! والموصل كذلك محتقنة، وليس من بد إلا أن نجعلها إقليما، وهكذا الحال بالنسبة للبصرة وكركوك وغيرها من مناطق الإحتقان، الى أن نصل الى داخل المدينة الواحدة، فثمة أحياء وقطاعات داخل المدن الكبيرة يمكن وصفها بأنها محتقنة، كما الحال في مدينة الصدر ببغداد على سبيل المثال، وهكذا فإنه ووفقا لما يريده أصحاب التفكير المحتقن، يتعين تحويل كل منطقة محتقنة إجتماعيا، الى «كيانات» أو أقاليم ذات وضع خاص..
أقلمة المناطق المحتقنة؛ تعني تحويلها الى كيتوات منعزلة، بمعنى مجتمعات كبيرة، تسيطر عليها العقلية المحتقنة، وبالتالي ووفقا لهذا الواقع، فإن الذهاب الى الإقلمة سيتحول الى مشكلة وليس حلا، ولن تكون الأقلمة حلا للقضايا المعقدة، بل يمكن أن تكون بوابات إحتقان أوسع.
الحل يكمن ببناء واقع قابل للحياة والتعايش السلمي الإيجابي، وبناء الثقة بين كل العراقيين، وأن تنضج البيئة السياسية في العراق، حتي يمكن تشخيص مشاكلنا الحقيقية، وتوفير الأرضية العادلة للجميع، وسحب عوامل الإحتقان، ومن بعدها فليفكر من يفكر بالأقاليم بالكيفية التي يراها مناسبة..!
كلام قبل السلام: التلقيح ضد الأمراض المعدية، يكون بحقن الأشخاص الأصحاء، بجراثيم تمَّ إضعافها في المختبرات، وليس بجراثيم نشطة..الإحتقان نشاط مرضيٌّ هدام!
سلام..

قاسم العجرش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى