دراسة سيميائية في «مفكرة ليلى و قصص أخرى»

د. وليد جاسم الزبيدي
تجاوزتِ الرواية العربية حدود الخوف والخجل لتقفَ فنّاً مع الرواية الغربية، ولتتصدر المبيعات، وتكتسح بعض الجوائز العالمية، لتثبتَ جدارتها، وما وصلَ اليه الروائي العربي من كدّ وتأسيس، وقد وُلدتْ بمدةٍ متأخرةٍ قياساً للقصة وفنون النثر الأخرى، تاريخياً وابداعياً، وهذا ما أرادته المؤسسات العالمية الكبرى وأغراضها، وهي تغض النظر عن الاتجاهات الفنية الأخرى أو تتجاهلها أحيانا، ومع هذا التقدم لن تأفلَ القصةُ العربية، التي كانت ولادتها طبيعية، ولها تراثها وتاريخها وتأسيسها الذي بدأ واستمر تكاميلياً وتصاعدياً، بعد الأسس التي وضعتها جذور الحكاية في المأثور والتراث العربي الضخم، ثمّ أضاف لها المحدثون أسساً وقواعدَ جديدة أبتكرها الذين ينحتون ويهتمون فيها، كُتّاباً- باحثين- نقّاداً، حيث كانت القصةُ، فالقصةُ القصيرةُ، ثمّ القصّةُ القصيرةُ جداً. نقفُ اليوم مع فارسٍ آخرَ من فرسان القصّة العربية الواعد، الاستاذ (حسن أبو بكر المغربي) من ليبيا الشقيقة، في اصداره الجديد( مفكرة ليلى وقصص أخرى)* طُبعت في سوريا2018م، .
-المجموعة مع عناوينها: تحمل المجموعة القصصية، التي تندرج ضمن (القصة القصيرة)إذ يتراوحُ عددُ صفحات كل قصة قصيرة، بين (2-4) صفحات، وبلغ عدد القصص القصيرة في الإصدار (أربع وعشرين) قصة ،بصيغٍ وعباراتٍ مكثّفة، واشاراتٍ تختزلُ عشرات الكلمات. ونحنُ نقرأ كل قصة يكون العنوان شاخصاً، فإذا كان (رولان بارت) قد أشار الى أن العنوان هو (ثريّا النّص) فقد أضاف صاحبنا القاصّ (حسن المغربي) مقالةً بعد العنوان لتضيء مفهوماً وتعطي إشارة وتلويحةً للمتلقي للدلالة على محتوى وهدف القصة، ولكن لا تعطي نفسها ببساطة، بل يحتاج المتلقي الى مراجعة ومرجعية وثقافة محترف لاحتواء الموقف والصدمة التي تنتظره في ختام كل قصة (قصة قصيرة). بعد كل عنوان قصّة، طرّزَ الكاتبُ لنا مقولةً لعلم من أعلام الفن والشعر والأدب والفلسفة ، وهذه المقولة لن تأتي أو تُنقش اعتباطاً أو عشوائياً، بل جاءت من قلب وروح القصة، بل تضيف لها، وتنضاف اليها حُلّةٌ تزدان بها القصة. فقد جاءت مقولات الى روائيين عرب وأجانب من مختلف الاتجاهات والمدارس الأدبية( واسيني الأعرج، شكسبير، البرتو مورافيا، أوسكار وايلد، ماريو بارغاس يوسا، بلزاك، أميل زولا، وليم فوكنر، باولو كوبلهو،). ومن متصوّفةٍ( النّفري، المتصوف العربي في العصر العباسي، وجوستيان غاربر، المتصوف النرويجي). الى فلاسفةٍ (هنري برغسون، نيتشه، غوته، أرتيبوس/ الإغريقي، الجاحظ، أبو عثمان، / ابن خلدون- الفيلسوف التاريخي، وسارتر وكامو). ورجال في المسرح وشعراء مثل (لوركا، طاغور، أوسكار وايلد، دانتي، شكسبير، ودعبل الخزاعي، وهنريك أبسن). وعلماء في الطب النفسي( كارل ياسبيرس/ من ألمانيا، وسيجموند فرويد/ انكلترا). وتحضر الموسيقى مع ( سوناتات باخ).
– مرجعيات القصص:
لم تقف القصص على مسار واحدٍ، أو في أجواء متشابهة، أو تتكرر فيها الصور أو الألفاظ، بل ستجدُ مع كل قصة قصيرةٍ موضوعاً قائماً برأسه، له الأهواء والأجواء، والمدارات والفلك الذي تدور فيه الأحداث والشخصيات. ويمكن أن نضع دلالات وعلامات لما ورد في المجموعة :
1/ جانب التاريخ والميثولوجيا: يتمثل هذا الجانب ومرجعيات الكاتب في القصة السابعة عشرة (الوسيم)، والقصة الحادية والعشرين(مجرّد حلم). إذ (أنانا) الآلهة السومرية، والإهرامات وأبوالهول، اخناتون، والميدوزا، هيكانا، جبل الأولبك، وزرادشت. كما ذكر الكاتب : قبيلة الطوارق، الأحجار والمسارح والأواني، و باتوس، أوّل ملوك الأسرة الباطية، وتماثيل اليونان وتمثال خشبي(دونيا لوكرثيا)، وفينوس ربّة الحب والجمال عند الرومان، وتمثال الحسنوات(أقليا، يوفرسيني، ثاليا). هذا الضخ المكثف والإشارات التاريخية المختلفة المؤتلفة، في عصور متباينة، يوظّفها الكاتب في خدمة الهدف والفكرة في قصصه، وينمُّ عنِ اطلاعه وقراءاته التاريخية الذكية واختياره ما يوائم أسلوبه.
2/الجانب المحلي: وتقرأ في قصص الكاتب الجانب المحلي الوطني والهوية التي تتمثل بوجوده وبلده، في القصة الحادية عشرة(حكاية رحلة)، والقصة الثالثة والعشرين(شكلا عليك صبح)، باستخدامه إشارات محلية تناسب القصة منها: نبع (أبولو)، هضبة (قورا)، الحورية(سرين) من تساليا، قبائل (الليبو) في النقوش الفرعونية، مدينة (سرين) الليبية.
3/جانب الخرافة والأساطير: استخدم الكاتب الأسطورة والخرافة في قصصه، في القصة الثالثة (رقم6)، وفيها عالم الأبراج، والنجوم، والطالع، والقصة العشرون(عفريت أرض المساخيط) .
4/ جانب الأمراض النفسية: أضاء الكاتب في قصصه جانباً مهماً من الأمراض النفسية التي يعاني منها الإنسان في عموم المعمورة، وهي أمراض العصر، وهذا ما نجده ، في القصة الأولى(إنطوائي)، وفي القصة الرابعة (جنون)، والقصة الثالثة رقم (6)، والقصة التاسعة عشرة(عزلة). وقد وردت العبارات: هذيان المجنون، أو المريض النفسي، وكشف ما وراء، والإنسان الإنطوائي، ومرض الزهايمر(فقدان الذاكرة)، وانفصام الشخصية(الازدواجية)، ومرض التوحّد.
4/ الجانب الموسيقي والفني: إذِ استخدمَ الكاتب مرجعياته وثقافته الفنية والموسيقية للإشارة على ما يريد وما يخدم القصة والحدث، في اشاراته (لحن باخ)، وسوناتات (يوهان باخ)، وأغنية (الصبر جميل) أم كلثوم. وهذا ما نقرأهُ في القصة الرابعة والعشرين(قرية الشبح). كما إهتمّ بالجانب الفني التشكيلي وأشار الى : سريالية سلفادور دالي، ولوحات (بول كلي).
5/ جانب الروايات: وهو جانب مهم وحيوي يدلُّ على مدى ثقافة وإطلاع الكاتب على كم هائل نوعي وكمي للروايات المهمة ولروائيين أغنوا عصورهم وزمانهم، ومن هذه الروايات التي أشار إليها في مجمل مجموعته: رواية (امتداح الخالة) ماريو باراغاس يوسا؛ رواية (الصخب والعنف) وليم فوكنر؛ القديس برنارد، في رواية أميل زولا؛ ورواية (الأب غوريو) بلزاك؛ ورواية (1984) جورج أورويل؛ ورواية (إحدى عشرة دقيقة) باولو كويلهو.
6/ الجانب الوجداني: وما يمثّله هذا الجانب من الأحاسيس والعشق في القصة العاشرة (العاشق) ، والقصة الثالثة عشرة (مفكرة ليلى)، والقصة الثالثة عشرة (الوسيم).
7/ الجانب المسرحي: ما إن جعل الكاتب مرجعياته في الموسيقا والفن التشكيلي لم يغفل اهتمامه وثقافته المسرحية ، وهذا ما نجده في القصة المهمة (الفسواي)، إذ أشار الى مسرحية (تلميذ الشيطان) الى برناردتشو؛ وأبطال (هنريك أبسن).
8/ جانب صورة الإرهاب العالمي: وهي صورة الإرهاب بكل وأبشع صوره، وضعها الكاتب في قصته القصيرة (قرية الشبح-ص100)، وقد عمل بكل ذكاء هذه المرة في هذه القصة، لم يختر مقولةً لفيلسوف أو روائي أو فنّان، بل اختار ما يناسب موضوعة الإرهاب وصوره وأشكاله ، إذ اختار آيةً كريمةً من كتاب الله العزيز من سورة (فُصّلت).
8/ الجانب التنويري والتثويري: ويتمثل هذا في القصة الخامسة عشرة (الناظر)، والقصة السادسة عشرة(الأستاذ)؛ والقصة الثامنة عشرة( الفسواي) وهي قصة البطل الشعبي.
*الرائحة في المجموعة ورمزيتها: لا تخلو قصة قصيرة من قصص المجموعة من ذكر رائحة ، حيثُ شكّلت الرائحة لغةً ودلالةً لما وراء النّص، وقد وردت كلمة الرائحة (22) مرة في المجموعة، ونقسّمُ الرائحة على ما يلي:
1- رائحة الذاكرة: وقد وردت في مسميات طبيعية وترتبط بذاكرة الإنسان :
-الأشجار والبحار(أ ليست الطبيعة بما فيها أشجار وبحار وكائنات تبحثُ عن الدفء والطمأنينة من خلال اللمس أو الرائحة أو الحركة؟. ص35). ويقول في موضع آخر (حيثُ كانت رائحة الشجر تسبب لهُ ضيقاً في النفس والشعور بالغثيان. ص83). وفي موضع آخر عن رائحة الأشجار(ومن الآن لم تُثرْ فيهِ رائحة الشجر أي شعور بالقلق. ص86.).
-الماضي: ( فأنا من الماضي أبحثُ عن نسماته ورائحته المؤنسة بإلحاح. ص26).
-الذكرى: (أما بالنسبة لي فالذكرى تتصل بكل شيء، الكلمة، الصورة، الرائحة، رائحة الأشياء الجميلة والقبيحة معاً. ص43).
2-رائحة العشق والعشّاق: كما للطبيعة والشجر والأنهار والذكرى رائحتها، فلا بدّ أن تكون للعشق والعشّاق رائحة مائزة أيضاً يضعها الكاتب ويتنفسها المتلقي:
-رائحة الأطلال: (…فإنّ الرائحةَ وحدها، ولمدةٍ طويلة تظل كما الأرواح تحلّقُ فوق أطلال العشّاق.. ص43).
-رائحة الحب: (لكنهُ لن ينسى مهما طالَ بهِ العمر رائحة منْ أحبْ. ص44).
-رائحة العشّاق: (فالرؤية والكلام أقلّ علوقاً بالذاكرة على نقيض الرائحة فإنها أكثرُ بياناً وصدقاً في توصيف أحوال العشّاق. ص 44).
-رائحة البسمة: (استيقظت بتول عند منتصف النهار، وعلى شفتيها ترتسمُ بسمةٌ تفوحُ منها رائحة الاكورديا. ص55).
3-رائحة الأسطورة: وللأسطورة رائحتها أيضا، (لقد كان للأسطورةِ رائحةٌ أستطيعُ شمّها في كل نقش رخامي أو عملة معدنية. ص52).
4- رائحة المنزل: (رائحةُ منزلهِ تُزكمُ الأنف ولا يمكن وصفها. ص59).
5- رائحة مومس: (فهي تشبه رائحة مخدع مومس منحت نفسها للشيطان تلبّي كل طلب. ص 59).
6-رائحة الملابس: (كانت رائحةُ ملابسها نتنة تبعث القيء. ص60).
7-رائحة عطر النساء: (فقالت لماذا يُشاعُ بين أهل القرية بأنّكَ لاتُحبّ النساء وتكره رائحة عطورهن.؟ ص73).
8- رائحة الدّم: (بأنّ رائحة الدم هي منْ قادتها الى بيته. ص89).
9- رائحة التراب: (رائحة التراب المبلل بالندى. ص35).
– خاتمة المفكرة ورائحتها:
ما الذي أراده(حسن المغربي) من مذكرته ورائحته، لقد أوصل لنا الكاتب رسالة، أن التاريخ والميثولوجيا والأساطير، ملك إنساني، وأن الانفتاح على الآخر هو فتح لغة انسانية مشتركة لتفهم أمراض العصر ومشكلاته وأن نقف جميعا على مكافحتها، وأن لا ننظر الى الأمور من عين واحدة ولا من فهم متحجر متسلط، بفقدر ما تكون فينا الإرادة والثقة لنتفاعل ونعيش بسلام وفق روح التسامح ووفق منهج علمي متحضر خالٍ من التقديس والمحرمات التي تشل روح المبادرة. لقد فتح لنا الكاتب تشكل في الموضوعات والأساليب التي لا نشعر بالكلل والملل ، بل لم يكرر صورةً أو عبارةً، جعل من اللغة مطواعةً بين يديه، وجعلنا ندور معه في مرجعياته الراقية في تاريخٍ وميثولوجيا عالمية، وفي فنون الموسيقا والتشكيل والمسرح، وأخذ بنا في إشاراته الى أفلام سينمية ومسارح، وهكذا جعلنا نتنعم بأشعار دعبل وآراء الجاحظ وصوت النّفري، مع موسيقا عالمية ولوحات الى سلفادور دالي، وكتابات شكسبير وبلزاك وغوته.. ولم يكتفِ بهذا الضخ الكبير من المعلومات والمرجعيات. بل جعل أنوفنا تشم روائح مختلفة، تشخصُ في بوابات فتوحه، وشغّل بنا حوّاس مختلفة كي نسر معه الى آخر سطر ونفهم رسالته وهذا مبتغاه، بل ومبتغى المتلقي أيضاً.. شكرا لك كاتبنا (حسن أبو بكر المغربي) على ما أفضت وأجدت، ونتمنى لك كل التوفيق في مجاميع لاحقة ترفد بها مكتبة القصة العربية.



