رسالة مجهولة

محمد قشتو ـ المغرب
كنت مفترشا سريري الخشبي في تلك الغرفة الضيقة، والدموع ألوحها بصمت وصديقي ينتظرني لتناول الغذاء، كنت أظن قبلها أنها ستكون نهاية سعيدة وسينتهي اللقاء بعناق حار. يا ليتني أتذكر تلك الصدفة التي جمعتني بها، أحاول جاهدا كل مرة أجلس فيها مع نفسي أن أتذكر تلك النقطة التي أعلنت فيها بداية قصة كتمتها في داخلي حينما رأيت أو سمعت همسات بلبل أغراني منظره وطبعه، لكن دون جدوى؛ يملأ كل شيء فكري بمجرد أن أسند رأسي على الوسادة إلا تلك اللحظة التي رميت فيها قلبي، فلا أحيته الرمية ولا قتلته، بل تركته بين الحياة والموت، لا أجد إلى إيجادها سبيلا هاديا.
ما زلت أحتفظ بالعام الأخير داخل أسوار الجامعة بتفاصيله كافة، وأعقل كذلك الحي الذي يجمعنا، والمسافة الفاصلة بين محلي إقامتنا، وصديقاتها وأختها والنافذة التي كانت تطل منها عندما أنتظرها أمام الباب، وحتى العباءة الوردية التي كانت ترتديها، و القميص الذي تقتسمه خطوط زرقاء وبيضاء طولا، وحذاؤها الرياضي الذي كانت أحيانا تنحني وسط الشارع لتشد أزراره، ويداها الناعمتان الصغيرتان، وما زلت أشم من بقايا هذا القلب روح عطرها الزكي وكأني بها اللحظة رشتني به في تلك الحديقة عندما خرجنا إليها ذات مساء ربيعي ولا ثاني لنا ننتزع بقايا أيام مضت قبل أن نلتقي، يا إلهي مرت سنة كاملة عن هذا كله ومازال عالقا بهذه القريحة.
وهأنذا جالس أستنشق نسمات برد الليل العليلة، والقمر تحت سحابة من جهة الشرق شاهد على سهري وسمري، وستمضي سنوات ثلاث وأربع وعشر وربع قرن ونصفه ولن تنمحي قصة هذه الفاتنة من جدار حياتي، وكأنها مقيمة أمام مرآي بتنورتها الوردية وتأملاتها الأفلطونية أو بالأحرى بسمتها البلورية، يا إلهي كم أشتاقها.
ذات يوم ونحن نمشي الهوينى فقلت لصديقتها وستون يوما تفصلنا عن اليوم الأخير، أنا لا يعكر صفو تفكيري إلا فراقكم ذات لحظة قادمة، وكأنني عالم بمرارته قبل حلوله، لا أنكر أنني كابدت رزايا تشق الحجر وتقطع الشجر ولعمري إستسلمت لها لتهزمني، لكن فراقك أيتها الورقاء هزمني وأجرى دمع جفوني من غير إستئذان، فدعيني أذكرك قليلا بما يُحيِي تلك الجذوة الغابرة القديمة في فؤادي: لن يذهب عن بالك ذلك اليوم الذي كنا نمتطي فيه بخطوات متحدة الطريق إلى محل إلإقامة، وقد خرجنا من آخر إمتحان، ولا نملك ما نستظل به من حبات الغيث التي تصبُّ فوق رؤوسنا سوى خرقة كنت تديرينها على عنقك كإخوانية عفيفة، وقد بلت أحذيتنا من ماء المطر الغادي على الرصيف، لكن وأي قلب يشعر بهذا البلل الذي تسلل إلى أصابع الرجلين بعدما تمالكه حديثك وأنسك ومهجتك فأعلاه إلى منازل الرضا بالنفس التي إلتصقت بتوأمها وهما يمشيان معا في الشارع.. كيف تنسين هذا اليوم وقد ودعتك على أمل الإتصال بي فور وصولك إلى موكادور … أعرف أنك ستبتسمين بكل عفوية عندما تتذكرين.
ولن تنسي ما حييت يوما كنا حددنا موعدا في خزانة الكلية في الساعة العاشرة صباحا، فأصبحت نائمة وقلبي يصبرني وأنا أجول بين قاعات الدرس من أجل انتظارك بفارغ الصبر، فلم تصلي إلا بعد ساعتين من الموعد، أي قلب هذا الذي أحمل بين ضلوعي وقتئذ، وأنا متأكد أنه لو تأخرت ساعة أخرى لأجبرني على إنتظارك رغما عني، من هذا الذي لا ينتظر بزوغ شمس الصباح مهما كان الليل سرمديا.. وكم ضحكنا بعدها وتناسيت تأخرك على أية حال، إن الحب يظل أشهى الأطباق وألذ الأذواق ما عشناه بيننا بدون أن يخبر به أحد منا الأخر، نمارسه فعليا ولا نجهر به قولا.. وسره المكنون في هذا الكتمان.
ويوما أرهقتنا زيارة صاحب النسخ كل مرة، والعنوان العجائبي: (التراث اليوناني والحضارة العربية) الذي نجيء له من كل حدب وجنب ولا نمشي منه بمصدر واحد شامل، وكيف كنت قد ضربتك ذات زوال ضربة على كتفك فتألمت منها، وكم ضحكنا واستهزأنا بصديقتك التي طالبها غريب في الشارع برقمها فأمدت له الهاتف ليسجل لها الرقم فلاذ بالهروب ولم يُرَ له أثر، إنها لحظات وليس سنوات قضيناها معا فمضينا بعدها ولم تمضِ من قلوبنا، ويوما آخر وقد كنا جالسنا لنحو البطن لما حل به من فراغ، وجلسنا ننتظر فناشدتك وأنت تبتسمين من داخلك : أ يحِقُّ للثُرى أن يَعشَقَ الثُريَّا؟!!.
قولي لي فقط كيف لا يحبك من إستيقظ ذات فجر على ضحكتك الخفيفة، وقد عاهد نفسه أن يوقظك لتتناولي السحور وتقومي بفريضة الفجر، فلما اتصل رددتِ بتلك النغمة الفيروزية صباح الخير، لقد استيقظتُ.
ويوم وقفنا أمام إقامتك كالعادة وقد مضى زمن العشاء وولى، وأخذنا من حديث السمر أمتعه وأبهجه، وما شعرت إلا وأنا موجّه إصبعي إلى تلك الحفرة الجميلة التي تقع على مركز خديك، فقلت ونفسي منشرحة ناضرة، هذه الغمزة يا أميم من جمالك الذي لا يفنى، وحسنك الذي لا ينتهي، فغمرتني نشوة من خجلك العارم الذي أكد سهام الحب في قلبي،،، أكل هذا يا منبع الحسن مضى بيننا ولم يطُلْ؟
لقد شهد القمر على سهري وأنا أوقد شغف قلبي بيوميات جميلة مضت حتى تعب. وهالشمس هي الأخرى تشهد باتصال نهاري بليلي، ولو أنطقها الله لقالت: عجبا لك أيها المحب الخالد والمُغرم الشارد، والعاشق الدائم من هذا الحب الذي أدب قلبك وجعل من ساكنيه أحبابا حرموا داخله نسيانهم.
ألا يعز عليك يا أميم تذكر كل هذا؟، وهذا غيض من فيض وقليل من كثير وجزء من الكل وخاص من عام.. وإني أعرف أنه ستتذكرين أشياء كثيرة جرت بيننا فمضت وكأنها لم تكن وما زال ذكراها في الوتين يجول حيا ما دام النبض باقيا..
أخبارك انقطعت وانتهت عني منذ حين من الدهر، فكلما إشتاقك قلبي نظرت في أعماقه ففي أعماقه أجد كل تفاصيلك، فألهو بها وأتناسى بها غيابك.. إني لا أحب أن أسمع عليك شيئا من الخارج إلا ما إنفلت من محادثات صويحباتك، فمن دون سؤال مني تسلل من حديث مؤنس من إحداهن أفاد قلبي وعقلي أنك أصبحت في ذمة رجل، ولن أنسى أني أبديت لها عدم اهتمامي بكل ما يتعلق بك رغم الحرب التي عرفها فؤادي حينها، فإنني إمرؤ لا أحب الشماتة في نفسي بدل العز، فلتهنئي إن كان الأمر كذلك بهذا الرجل الذي حقق حلما لطالما رجوته.. لعله ابن خالتك الذي أغرى طموحك بدول المهجر، فإن كان هو الحال فلتسعدي بمصاحبته ورفقته ولتنجبي له ذرية بعيون مثل عيونك، ولتتفحصي جواز السفر الأحمر الغامق، ولتتمتعي بحياتك كما يحلو لك.. فصاحب المال يضمن لك المنزل الفاخر والأثاث الرفيع والثلاجة المليئة والسفريات الماتعة والرفاهية اللا محدودة.. أما صاحب الحب فأقل شيء يضمنه لك بيتان ينتقيهما من معلقة إمرئ القيس أو سطور بلغة تجذب الأنفاس من المخلاة أو الكشكول للعاملي، أو ربما تركك في مجابهة رفوف عامرة مليئة بالمجلدات.. ولا تنسي أن صاحب الحب يقيد حبه بسطور في كناشة لعل فيها ما هو أغنى من حياة الرفاهية في أكبر وأفخم مدن العالم.
وتذكري أيضا ذلك اليوم الأخير جيدا، عندما كنت أنتظر إتصالا من سيادتك الحبيبة طيلة الصباح لعقد آخر لقاء على صفحات حب مكتوم، ولم ألق للأمر بالة إلا وقد إتصلت وأنت على متن حافلة المغادرة وقلبي الضعيف ينتظر الريح بدل لقائك، ولم أنتبه لأعذارك إلا وقاطعتك بلهجة المنكسر الذليل بقولي: (حشومة عليك قتلتني.. والله إلى قتلتني طريق السلامة).. فسالت أودية جفوني بدمع حارق واندفعت وراء على وسادتي وأنا على ذلك السرير الخشبي، وصديقي ينتظرني لتناول الغذاء.. فعذرا لك يا صديقي، أما أنت يا مستوطنة فؤادي ليس مني لك بعد سوى هذه الرسالة.. إنها رسالة مجهولة.



