النسخة الرقميةثقافية

الى صديقي المجهول

تمارا البغدادي

اذكر انني كتبتُ لك ذات يوم (احياناً يكون الحب كبيراً لكنه غير كافٍ لضم اوجاعنا)، هأنا اكتب اليك مجدداً، اكتب لرجل واعلم يقيناً بانه يقرأ حروفي بقلبه قبل عينيه، لرجل لم اتلمس ملامحه يوما، لكني اراها مرسومة على جدران غرفتي، في اوراق ازهار حديقتي، اتحسس ذقنك المرتبة شعيراته بطريقة كلاسيكية، عيناك الصغيرتان.،شفتاك السمراويتان المتعجرفة،التي لاتتقن سوى استرخاء سيجارة عتيقة دون ابعادها، كل تفاصيلك الباهتة امامي، تدهشني تفاصيلك المعتمة التي لو ظهرت امامي لاخرست جميع الشعراء بالكتابة عنك.
اعلم ان روحك الجائعة ترى اصابعي اطراف سنابل، لذلك انا اكتب اليك مجددا، انا الان امسك بالورقة واسلط ضوء هاتفي عليها، فغرفتي دوما مظلمة، هي تشبهك في الغموض، السماء تمطر الان، ربما هي الاخرى تشعر بالفقد، اتعلم ما الوحدة الحقيقية؟ (الا تملك من تخبره انها تمطر)! الا تملك شخصا يقول لك (احب المطر) فتجيبه (وانا احبك وانت تذوب من فرط البلل). ان تملك اغنية جميلة، وليس هناك من يشاركك فيها، ان تشتري كتابا ولا يوجد من يناقشه معك.
نحن لا نشعر بالوحدة سوى في الليل، انه وقت الحنين الذي طوال النهار نهدهده بالأغاني والتنهيدات والسجائر، لكنه يبقى متدلياً في صدورنا، كالخافيش الصغيرة، وكما تعلم ياصديقي (ان النهار عين كبيرة والخفافيش ترعبها العيون).
‏لنعد للنقطة الأولى:
«لا أعرفك ، لا تعرفني .. كلانا يحاول إكتشاف الاخر»! هل يوجد شيء اكثر دهشة من هذا؟ ان اكتب عن شخص، يرى انه المخبأ المثالي لكل روح هاربة؟ لطالما تمنيت ان اكون خميس ايامك، لأكون متكئاً لتعب جسدك، كتفاً تأخذه حيثما تمضي كي لا تبكي وحدك، نسمة عابرة لتمحو خريف سنينك، اي شيء المهم انني اجنبك التالم على مامضى من حياتك.
اتعلم ما أكثر شيء احبه في الحياة؟ العناق الابدي، لكني عاجزة عن كتابته لك ياصديقي، لقد تعبت من الوقوف خلف ظلك الطويل ووتبع اثرك، هات يديك الآن، ها قد هطل المطر من جديد، وانا على قيد عقدة المطر، جالسة هناك انتظر وجهك الجميل كالبدر ليزيح الغيم ويشرق كالزهر. كان عليك ان تثق بشاعرة مثلي، حتى حين تغيب عنها تُكلمك قصائدها.
اتعلم؟ لقد هَرمت في مخليتك عيناي، ومازلت ارى تفاصيلك غصة شهية، واسمك نوتة هاربة من سيمفونية مات ملحنها قبل ان تعزف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى