النسخة الرقميةثقافية

بائع البزار

محمد قشتو/ المغرب

فليذهب بائع البزار إلى أرواس.. فقد آمن بقدر الله المحتوم، إزاء النكبة الأخيرة التي تعرض لها، والتي حملته ما لا يطيق، فلو كان البكاء يجدي له شيئا لأجرى من مقلتيه دمعا من ذهب، ولو كان الجزع يرد له ما ضاع منه لجزع أبد الدهر، ـ ونعوذ بالله من الجزع من قضاء الله وقدره ـ لكنه تمالك أعصابه قدر المستطاع.. فقد كان شديد الاحتكاك بنوائب الزمن، فلا ترده نائبة ولا رزية عن الخوض كل صباح ومساء بالذهاب والمجيء بين تلك المنعرجات وتسلق «إقرشمدن» على حد لسان قولهم، ولا سيما عندما أخذ موثقا على نفسه أن يكسب ويسترزق لعياله وأهله من الحلال الطيب الخالص.
استيقظ كعادته على تهليلات المؤذن فتوضأ وذهب إلى المسجد وصلى فريضته، وكر راجعا للبيت موقنا أنه ستغشاه نومة خفيفة ريثما يرفع الظلام ستاره ويفترش ضوء صباح جديد، دخل غرفته على ضوء الشمعة الخافت، ووضع جنبه على أمل مداعبة حلم من أحلام الصباح الوردية، لكن الأمر كان على غير اعتقاده، فقد إنسل به سهو وأستماله إلى التفكير فيما خبر به أمس يومه ذاك، من صدور أمر حول هدم الدكاكين الموجودة كافةعلى جنبات الطريق السيار، فأستغرق في التفكير؛ فلا هو بنائم ولا هو جالس في دهليز البيت يستنشق نسمات أنفاس الصباح العليلة.. إنتبه فجأة من سهوه وهو ينظر إلى أرجاء الغرفة وقد ملأها نور الصباح، لا شك أن الوقت قد حان لمجاراة الرياضة المحتومة بين المنعرجات، فنهض من فوره ليحل بدكانه قبل الساعة السابعة، حاملا محفظة بها قوته اليومي، وما أدراك ما قوته اليومي؛ طرف خبز وبيضة تبيضها دجاجة زوجته، وأحيانا مئتان وخمسون غراما من الدجاج إن كان قد زار جاره الجزار عشاء أمسه، بالإضافة إلى حبة طماطم يأخذها من بقايا تسوقه الأخير.
علمه أبوه ما لم يعلمه أحد، فقد تربى على أسس نبيلة وأخلاق فاضلة، رغم أنه لم يعرف للمدرسة النظامية طريقا، فهو إبن الستين من القرن الماضي، ولو رجعت به إلى السادسة من عمره وسألته عن مستواه الدراسي لأذهلك بجوابه ولأجابك من دون فرط تفكير ولا تماطل: (طلعت إلى الجامع)! أي: إلى الكتاب، هكذا دأب أبناء القدامى في التربية والتعليم من الكتاب إلى الكتاب.ساعة جدار الحانوت تشير إلى العاشرة والنصف صباحا، لا شك أن أشعة الشمس أرخت بأذيالها في كل الأرجاء، وبائع البزار أعد برادة شاي بورقة نعناع فاحت رائحتها، وصب نقطة زيت تقليدية في آنية فخارية مغربية أصيلة، تعكس تاريخ المغاربة في الصناعة التقليدية، وبينما هو أعد جلسته وتربع، إذ به يسمع صوت وقوف سيارة من السيارات، ظنا كعادته أن الأمر يتعلق بزائر كرواتي أو إسباني أغراه منظر إصطفاف تلك الوجوه الآدمية المعدنية الفرعونية، أو مندهش من حجم تلك البيضة الكبيرة الحجرية التي يبلغ سعرها مئتي درهم، فلم يتردد البائع الحاذق من الخروج والإستبشار خيرا ليستفتح صباحه، أقبل على الوقوف بمحاذاة باب دكانه ينظر إلى الأبواب الأمامية للسيارة السوداء الفاخرة، ينفتحان في لحظة واحدة، ينزل منهما رجلان يتحدان في ملابسهما؛ بدلة أنيقةزرقاء غامقة، وربطة عنق سوداء، بالإضافة إلى الحذاء برأس حاد يتردد صوته مع كل خطوة، يحمل أحدهما حقيبة والأخر كناشاً وقلماً، يسهل لكل واحد أن يلبس مثلهما أن ينصب على الضعفاء بشكل يسير، أقبلا عليه وبدأا بالسلام، فرد البائع المسكين السلام في إندهاش، فدار بينهما حديث طويل، غلبت عليه إشارات صاحب الحقيبة تارة بأصبعه ويديه، وتارة مشيا ورجعة كأنه يقيس المسافة بين الدكان والطريق، خلص الحديث بينهما أخيرا إلى توقيع البائع على وثيقة مكتوب عليها «وقع هنا وإلا فسوف نحاسبك على كل هاته السنوات التي أمضيتها بدون مراقبة ولا حساب» وكأنه حرام على الضعفاء الإسترزاق!: لم يسألوهم عن هاته الشاحنات التي تنزل كل يوم من هذه الجبال مثقلة بالمعادن، ولا عن هاته السياحة التي يروجون لها بين هاته الربوات ذات عيون كل سنة، حتى ذلك الحوش الذي يلزمونه في البرد والشتاء فقد وقعوا عليه لهدمه.. فالله لكم أيها الضعفاء.
ونفس الحديث هلما جرا مع جميع أصحاب الحوانيت بجنبات الطريق، ونفس الإشارات كذلك إلى أن إنتهى الحال بالمهندسين على أريكة في مقهى من المقاهي.. وقد وجدا السراط فسيحا دون أدنى معاناة في الإقناع.
وكر البائع راجعا إلى حوشه وكاسة شايه وقد عهدها دافئة ساخنة، أما وقد أصبحت عاما فائتا كما أصبح الحوش في مرآه في خبر كان، ولم يتوانَ في تدفيئها مجددا ولم يلق للأمر بالة، فقد يستدرك ما فات.. وهل يستدرك ما جر عليه القلم وجف مداده؟
ينظر البائع الضعيف إلى محله ويعد أيامه الباقية، يولي بمقلتيه في سلعته أعلى وأسفل، يمينا وشمالا، فلا يدري ما هو فاعل بها.. فماذا يفعلون بك أيها الضعيف لو إمتنعت لهم ومنعتهم منذ أول يوم، أيقطعون رأسك أم يحبسونك ويحاسبونك؟ أم هي مجرد تخاويف يخوفونك بها؟ فمن الأجدر بالمحاسبة حقا؟ لن تجيب لأنك خائف من ظلك، فدع عنك هذه الصفة الخبيثة وألبس جلد النمر!
بعد أيام قليلة يسيرة، أفرغ الدكان، وأفرغت الدكاكين، فهدمت دون أدنى عناء، وأنت تمر بسيارتك أو حافلتك أو شاحنتك أو تجول بين هذه المنعرجات أيها البائع، فهل تعتقد أن دكان سنوات خلت، صار يوما هنا؟.. إنتهى كل شيء لا تندب حظك علام وافقت على ذهابه.. لعله خير.
وليجرِ عابرو الطريق السيار بسرعة أشد، وليثنِ مستعملو الطريق على أعمال التوسعة، ولتذهب أنت أيها البائع المسكين ..إلى أرواس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى