مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم
48
السَماويُّ يحيى شاعرٌ لامعٌ، أطرب محافل الثَّقَافَة وَفضاءات الأدب بإبداعِه المائز، وَعذوبة قريضه المستمد مِنْ افتتانه بالجمال، وَتشبثه بالحياة، وَتمسكه بالأمل وَالتفاؤل، وَاحترامه الإنْسَان وَحرصه عَلَى الدفاعِ عَنْ قضاياه وَالتعبير عَنْ همومِه، وَهو أيضاً عاشق لعملِه فِي التدريس، فضلاً عَنْ افتتانِه بسبرِ أغوار الحياة بمتعةٍ وشغف منذ نعومة أظفاره، الأمر الَّذِي جعل المطالعة هوايته المألوفة، فكان الكتاب – وَمَا يَزال – ملهمه الأول، يتألق دوماً مَا بَيْنَ يديه وَهو يحمله مَعَه أينما توجّه فِي حلِه وَترحاله. وَليس خافياً أنَّ القراءةَ المستدامة تفضي إلى توسيعِ مدارك الإنْسَان وتجعله فِي إطلاعٍ دائم عَلَى مختلفِ التجارب، ولنا أنْ نتصورَ مدى حاجة مَنْ يمتهن الأدب وَنظم الشِعر إلى المطالعةِ الدائمة؛ لأجلِ تنمية الإبداع فِي تركيبِ الصورة الشِعرية وإثراء القصيدة بالجميلِ مِن المفرداتِ وَأكثرها عذوبة. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ الأديبَ المصري عباس محمود العقاد (1889 ـ 1964) الَّذِي يُعَدُّ واحداً مَنْ أهمِ الأدباء الَّذين لمعت أسماؤهم فِي القرنِ العشرين، يشير إلى القراءةِ بالقول «لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لازداد عمراً فِي تقدير الحساب.. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة ـ دون غيرها ـ هي التي تعطيني أكثر من حياة». وإسرافاً فِي حبِه للقراءةِ وَشغفه بِمَا يكتنزه الكتاب مِنْ مضامين يضيف العقاد قائلاً «ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئا جديدا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئا جديدا هو ما التفاهة؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيم يفكرون»؟
لـلـطـبـيـعـةِ كِـتـابُـهـا:
الأشـجـارُ حـروف..
الأنـهـارُ مِـداد..
والأرضُ الـورقـة..
لا أحـدَ يُـجـيـدُ قـراءتـهُ
كـالـطـيـورِ
والأطـفـالِ
والـعـشـاق!
ـ ـ
حَـطـبُـكِ أنـتِ ولـيـس تـنّـوري:
أنـضَـجَ رغـيـفَ قـصـيـدتـي..
دُخـانُ ظـنـونِـكِ
ولـيـس بـخـورُ احـتِـراقـي:
أسـالَ دمـوعَ حـروفـي..
ريـحُـكِ ولـيـس شِـراعـي:
أوصَـل سـفـيـنـتـي
إلى الـضّـفـةِ الأخـرى
مـن نـهـر الـقـلـق!
لا رَيْبَ أَنَّ ميلَ السَماوي يحيى إلى المطالعةِ منذ أنْ بدأ خطواته الأولى فِي مرحلةِ الدراسة الإبتدائية بتشجيعٍ مِنْ عائلته الَّتِي كانت عَلَى شيء مِن الثقافة وَالكثير مِن الإيمان، قاده إلى سعيٍ دائم لتطويرِ مهاراته فِي فضاءاتِ الأدب وَغيرها مِنْ قنواتِ الثَّقَافَة وَالمَعْرِفة بعد أنْ ترسخت لَديه تلك الهواية فِي مرحلةِ الدرَاسة المتوسطة، حيث أصبح قارئاً نهماً مدمناً عَلَى القراءة، محباً لها، وَشغوفاً بِها نَهماً. وَليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ حاجَةَ السَماوي إلى غذاءِ الروح مِنْ أجلِ زيادة آفاق معرفته، وَالارتقاء بفكرِه وَسلوكه، عززت لَديه متعة القراءة وَساهمت فِي تذوقِه للمميزِ مِنْ مواردِ الثَّقَافَة وَالفُنون وَالعُلُوم الإنسانيَّة، فالثَّقَافَة الَّتِي تزيّن الإنْسَان كما الريش يزين الطاووس بحسبِ مثل روسي، أقرَ بأهميتِها العلماء وَالباحثون وَالمُتَخَصِّصون وَأهل الخبرة، بوصفِها ثمرة المعايشة الحية لأمورِ الحياة وَالتفاعل مَعَ تجاربِها، وَمَا تباين مِنْ خبراتِها؛ لأَنَّها تعبيرٌ عَنْ الواقع، وَأداة للتغييرِ وَالتطوير وَتحرير المُجْتَمَعات البَشَريَّة مِنْ عواملِ الاِسْتِغلال وَالتخلف، حيث يشير مؤلف كتاب الإسلام بَيْنَ الشرق وَالغرب وَأول رئيس لجمهوريةِ البوسنة وَالهرسك بعد انتهاء الحرب فِي بلادِه الفيلسوف الإسلامي علي عزت بيجوفيتش (1925 ـ 2003) إلى الثَّقَافَةِ بوصفِها «الخلق المستمر للذات»، فضلاً عَن قولِه أيضاً فِي مناسبةٍ أخرى مَا نصه «الحضارة تُعلِّم أما الثقافة فتُنور. تحتاج الأولى إلى تعلم أما الثانية فتحتاج إلى تأمل»، فِيما يرى جواهر لال نهرو (1889 ـ 1964) أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها وَخلاصها مِنْ نيرِ استعباد التاج البريطاني أَنَّ الثَّقَافَةَ تُعَدُّ بوصفِها «اتحاد العقل مع الروح». وَفِي السياقِ نفسه، يشير الروائي وَالكاتب وَالمترجم ألبرتو مانغويل إلى القراءةِ فِي كتابِه «تاريخ القراءة»، بوصفِها ضرورة للحياةِ كالتنفس، فضلاً عَنْ تثبيتِه فِي بدايةِ كتابه آنفاً عبارة «إقرأ كي تحيا»، ولعلَّ الأمر المحيّر هُنَا مَا تضمنه هذا الكتاب مِنْ إشارةٍ صادمة ـ ربما لشعورِ المتلقي ـ هو أَنَّ المؤلفَ صاغ عبارته بتشكيلٍ سرديّ أميل للمبالغةِ مِنه إلى التصحرِ الثقافي فِي عالمِ اليوم، حيث يذكر مانغويل الارجنتيني المولد وَالكندي الجنسية أَنَّه كلما التقى شخصاً أو رأى مشهداً، شعر أَنَّه قد مرَّ عليه مِنْ قبل؛ نتيجة غزارة قراءاته.
لـقـلـبـي حُـجـرتـان .
فـلـمـاذا لا يـتـسِـعُ
إلا
لـحـبـيـبـةٍ واحـدة؟
أنـتِ أيـضـا:
لا شــريـكَ لـك!
ـ ـ
أعـرفُ تـمـامـاً أيـن يـرقـدُ « نـيـوتِـن»..
وأيـن كـان الـحـقـلُ..
لـكـنْ:
فـي أيِّ تـنّـورٍ انـتـهـتِ الـشـجـرة؟
وفـي أيّـةِ مـعـدةٍ
اسْــتـقـرّتِ الـتـفـاحـة؟
أعـرف أن الـعـبـيـدَ
هـم الـذيـن شــيّـدوا:
الأهـرامَ..
سـورَ الـصِّـيـن..
وجـنـائـن بـابـل..
لـكـنْ:
أيـن ذهَـبَ عَـرَقُ جـبـاهِـهِـم؟
وصُـراخُـهـم تـحـت لـسْـعِ الـسّـيـاطِ
أيـن اسـتـقـر؟
بخلافِ اعتقاد البعض مِنْ أَنَّ السَماويَ «ولد وِفِي فَمِه ملعقة مِنْ فضة»، فإنَّ الواقعَ الفعلي، وَمَا أفضى إليه بحثي المعمق فِي هَذَا المنحى يؤكدان أَنَّه ابن بِيئَة فقيرة وُقد ولد مِنْ رَحمِ المعاناة، فَلَمْ يجد نفسه فِي بحبوحةٍ مِن العيش، وَلَمْ تكن أسرته في فيضٍ وَوفرة منذ ولادته، حيث وصل تنقّل عائلته «أربع عشرة» مرة فِي فضاءاتِ مدينة السَماوة؛ لغرض السكن بمنازلٍ مؤجرة تتناسب مَعَ دخلِ والده «رحمه الله»، وَلَمْ يَسْتَقِرْ لَهَا حال إلا فِي سبعينياتِ القرن الماضي حين ترك والده مهنة البقالة وَافتتح مكتباً لبيعِ الحصى وَالرمل، وَعملَ مقاولاً ثانوياً مَعَ الشركةِ الروسية الَّتِي قامت بتحديثِ معمل سمنت السماوة، حيث تولّى تجهيزها بهاتين المادّتين. ومِنْ المعلومِ أنَّ السَماوةَ تُعدّ منجماً لإِنْتَاج الإسمنت؛ بالنظرِ لتوفرِ المواد الأولية الداخلة فِي هَذِه الصِناعة وَالمتمثلة بحجرِ الكلس وَالتراب العادي واطئ الكبريتات فِي صحراءِ السَماوة، وَوجود الجبس عَلَى ضفافِ بحيرة ساوة، الأمر الَّذِي يلزم الحُكُومة المَحَلِّيَّة المثابرة وَالجهد سعياً فِي الوصولِ إلى جعلِ محافظة المثنى عاصِمة العراق فِي إِنْتَاجِ الإسمنت.
ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأدلة الَّتِي تثبت مَا أشرنا إليه بخصوصِ نشأة السَماوي فِي بِيئَةٍ فقيرة هو مَا ذكره الأديب سلام إبراهيم عَنْ زيارته إلى مدينةِ السَماوة للقاءِ السَماوي يحيى بعد فراق دام بضع سنوات، وَالَّتِي كان يظن أَنَّ مبيته وَصحبه فِي شقةٍ موقعها وسط السوق تعود لأهلِ السَماوي، حيث تحدث عَنها إبراهيم بعد أربعة عقود مِنْ ذلك التأريخ بالقول «تصورت أن والد يحيى من أثرياء السماوة وعلى خلاف مع يحيى لتوجهه اليساري، وهذا ما بقي في ذاكرتي من تلك الرحلة الشبيهة بحلمٍ بحسبِه، لكن يحيى فِي لقائي بِه نهاية عام 2017م، حكى لي قصة أخرى خلال الأمسية التي أقيمت تكريماً للسماوي ـ يقصد أمسية بيت النخلة فِي الدنمارك ـ عن فقر أهله المدقع، وتنقلهم في بيوت مستأجرة».
ـ ـ
الـسـفـيـنـةُ غـرقـتْ؟
لا ذنـبَ لـلـمـيـنـاءِ
إنـهُ ذنـبُـهـا!
لا ذنـبَ لـهـا..
إنـه ذنـبُ الـمـجـاديـف!
لا ذنـبَ لـلـمـجـاديـفِ..
إنـه ذنـبُ الـسّـواعـد!
لا ذنـبَ لـلـسّـواعِـد..
إنـه ذنـبُ الـرّأس!
آه..
كـم مـمـلـكـةِ عـشـقٍ انـدثـرتْ
لأنَ «رأسـاً» واحـداً
رمـى الـفـتـيـلَ فـي الـغـابـةِ
لِـيُـذيـبَ الـجـلـيـدَ الـمُـتـجـمِّـدَ
فـي عـروقـه؟!



