النسخة الرقميةثقافية

معطف وقلب بارد

منى الكعبي

تسير هي في طرقات غير معهودة بالنسبة لها, تارة تمشي واخرى تجلس تتفحص المكان بعينيها البائستين الدامعتين, مرتدية معطفاً شبه متهرئ, هي تعيش بمدينة كبيرة ليس لها أحد بها. مغتربة الروح والفؤاد، يمر من خلالها اناس يرمقونها بنظرة، تارة تكون فضولية سائلة، واخرى تكون غير مكترثة لا تعبأ باي شيء تعانيه. أخذ منها الجوع مأخذاً لا بأس به, راحت تتفحص ما تبقى لها من اموال لعلها تشتري ما يسد رمقها، ولكن وجدت جيبها مثقوبا وتسربت منه نقودها المتبقية، ولم يتسرب من هذا الثقب فقرها المدقع وبؤسها، ولم تكن في الذاكره ثقوب لتتسرب منه احداث مؤلمة تحاصرها بين الفينة والأخرى، أحداث مأساوية طرأت لعائلتها افقدتها صوابها وشردتها في شوارع مدينة أسوأ من حالها، فتأخذها ذاكرتها لتلك الليلة المشؤومة عندما تمَّ اقتحام منزل أسرتها بعد منتصف الليل من جماعة من البربرية، باعة الضمير والذمة، مرتزقة خفافيش الظلام، الدين منهم براء، ولكونهم عائلة كتابية شملتهم احقاد تلك الفئة الطاغية, فتحوا النيران بصورة عشوائية على أفراد أسرتها المفزوعين من تلك المداهمة، فسقطوا صرعى الواحد تلو الآخر وتضرجوا بدمائهم، ومع سقوطهم سقطت الانسانية بمقتل اطفال لا يعلمون شيئاً عن هذه الحياة سوى «ماما، بابا». هي مرتدية معطفا اهدته لها امها بعيد ميلادها الرابع عشر، ومتدثرة به من شدة فرحتها، وتغط في نوم عميق واحلام، حمدا لله لم يكن واقع حال اهلها المأساوي مشهدا في احلامها. استيقظت من نومها على صراخ في مكان قريب على غرفتها، لتجد النيران قد التهمت أجزاءاً من بيتها، فهرعت مسرعة بدون وعي لتجد نفسها وسط مدينة تخلد القتلة وتسامح المجرمين, مدينة لم يتسع قلبها لفتاة يتيمة مفجوعة ليهدِئوا روعها عندما كانت تقضي لياليها باكية ساهمة، تريد شخصا ما ان يخرجها من بوتقة حزنها تلك، او يفيقها من حلمها اللازوردي مع اسرتها بلون سماء صافية، غادرتها السعادة منذ زمن. في خضم تلك الهواجس التي سكنتها التقاها رجل ستيني رسم الزمان على وجهه من التعابير التي لو عبرت عن حالها لكانت تروي ويلات حروب طاحنة وصراعات مستميتة، لم يكن له بها شيء سوى انه كان أباً لشاب، حتى لم تكتمل في مخيلته صورة احلامه، تقاذفته النزاعات والفتن بين فكيها والقت به مقتولا بلا ذنب سوى كونه يتنمى الى فئة الانسانية. فجع قلب الأب بهذا المصاب الجلل وقتلوا بداخله الحياة وغاص في حزن بارد وقلب تجمد، ولم يستطع البكاء، وما ابكاه سوى تلك الفتاة التي كانت تبكي بصوت رخيم متذكرة ايامها الجميلة مع اسرتها, فتخلت عن معطفها وهو عن قلبه البارد، وتخلت عنهم الحياة. ودعوها بصمت مخيف ولعنات واضحة تلاحق من قتلهم مرة اخرى بانفجار دس فيه الكثير من الكراهية والعداء للسلام والانسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى